اسماعيل الشريف يكتب : متلازمة الخيمة الرطبة
تمثل متلازمة الخيمة الرطبة حالةً ناتجة عن ظروف معيشية قاسية على نحوٍ فجّ. يضاف البرد الشديد إلى الرطوبة وضعف التهوية. وهذه العناصر تُميِّز الحياة داخل البنى المؤقتة- د. عبد الرؤوف المناعمة.
يتعرّض بعض البشر أحيانًا لصدمات وظروف صعبة للغاية، فتنتج لديهم أنماطٌ متشابهة من السلوك، على الرغم من اختلاف خلفياتها النفسية والبيولوجية. وحين يلاحظ العلماء تكرار هذه الأنماط، يُصنّفونها ضمن ما يُعرف «بالمتلازمة». ومن أشهر هذه المتلازمات متلازمة ستوكهولم، التي يظهر فيها لدى الرهائن أو ضحايا الاحتجاز القسري تعاطفٌ كبير مع محتجزيهم، ويفسرها العلماء كآلية دفاع وصراع للبقاء.
ما يجري في قطاع غزة من أحداثٍ دامية، وقتلٍ جماعي، وتجويعٍ وحصارٍ خانق، يمثّل مآسي غير مسبوقة في العصر الحديث. وقد أفرزت هذه الكارثة الإنسانية ظواهر صادمة يدمى لها الجبين، من بينها ما كشفه البروفيسور عبد الرؤوف المناعمة، الطبيب والأكاديمي الغزّي، حين توصّل إلى توصيف حالة طبية جديدة أطلق عليها مصطلح «متلازمة الخيمة الرطبة».
تُجسّد هذه المتلازمة حالةً من فشلٍ متعدّد في الأعضاء الحيوية، يرافقها اضطرابٌ حاد في تنظيم حرارة الجسم لدى حديثي الولادة المعرّضين لظروفٍ بيئية قاسية. وتبرز هذه الظروف نتيجة النزوح القسري والعيش في خيامٍ مؤقتة، والتعرّض لبردٍ شديد مصحوبٍ برطوبةٍ مرتفعة، في ظل انعدام وسائل العزل وسوء التغذية، ولا سيما لدى الأمهات وحديثي الولادة. ويتفاقم ذلك مع انهيار الخدمات الصحية، ونقص الأدوية ووسائل التدفئة، وغياب البنية التحتية الأساسية للرعاية الصحية والنظافة العامة.
تتضافر هذه العوامل مجتمعةً لتُحدِث خللًا شديدًا في قدرة الرضّع على تنظيم حرارة أجسامهم، الأمر الذي قد يفضي إلى فشلٍ متعدّد في الأعضاء الحيوية تؤدي الى الوفاة.
وقد توصّل العالم والطبيب عبد الرؤوف المناعمة إلى أن التعرّض المطوّل لبيئاتٍ مشبعة بالرطوبة يُضعِف بصورةٍ جذرية فعالية العزل الحراري لأي مادة نسيجية، مهما بدا شكلها واقيًا. وشرح ذلك من خلال مثالين موجعين، إذ إن وفاة الرضيعين شذى أبو جراد وعايش الأغا جاءت نتيجة انخفاضٍ حاد في حرارة الجسم عقب موجات البرد القاسية التي اجتاحت القطاع، بعدما فشلت آليات حفظ الحرارة الحيوية في بيئاتٍ عالية الرطوبة. فحديثو الولادة يتميّزون بنسبةٍ مرتفعة جدًا بين مساحة السطح والكتلة، كما أن قدرتهم على توليد الحرارة محدودة؛ إذ لا يستطيع الرضيع تدفئة نفسه بالحركة، بل يعتمد على حرق نوعٍ خاص من الدهون، فإذا استُنفدت هذه الدهون عجز عن الحفاظ على حرارة جسمه.
كما تُهيِّئ البيئةُ المحصورة داخل الخيام ظروفًا مثالية لتكاثر الفطريات والبكتيريا، ما يؤدي إلى التهاباتٍ جلدية واضطراباتٍ التهابية في العين والرؤية والرئة، ويُفاقم نقصُ الأدوية والبخاخات العلاجية من حدّة هذه الحالات ويزيد من خطورتها.
ويُسهم انهيارُ البنية التحتية الصحية في تفاقم الكارثة، إذ يحول دون غسل الأيدي وتعقيمها والحفاظ على الحدّ الأدنى من شروط النظافة. كما يزيد منعُ الكيان المجرم إدخالَ البيوت الجاهزة ومواد البناء، بذريعة «الاستخدام المزدوج»، من تعقيد الأوضاع المأساوية وتعميق آثارها. وفي هذا السياق، تكذب سلطاتُ الاحتلال حين تدّعي السماح بدخول 380 ألف خيمة، إذ تؤكد الوكالات الإنسانية أن ما أُدخل فعليًا لا يتجاوز تسعين ألف خيمة فقط، وتقدّر هذه المنظمات أن نحو مليون ونصف المليون من سكان غزة يعيشون من دون أي عازل يحميهم من تقلبات الحرارة.
ما يجري في غزة ليس سوى إبادة جماعية لم تتوقف بوقف إطلاق النار، ولا بما سُمِّي «خطة ترامب للسلام». فالقتل لم ينتهِ، بل اتخذ أشكالًا جديدة، أُضيف فيها إلى الرصاص التجويع، وقتل الأرحام، والموت بردًا في ظروفٍ قاسية. ولسان حال الغزيين يختصر المأساة كلّها بمرارة واحدة: تعدّدت الأسباب، والموت واحد. ــ الدستور