الأخبار

رشاد ابو داود : «الدستور» تبدأ عهد ينال البرماوي

رشاد ابو داود : «الدستور» تبدأ عهد ينال البرماوي
أخبارنا :  

الصحيفة بالنسبة للصحفي وطن وانتماء وولاء. صدق والتزام ودقة في الأداء. بيت ودفء ورزق حلال. حديقة ورد وشوك فيها الربيع والخريف والصيف والشتاء. الصحفي إنسان من لحم ودم وحبر وورق. وأكاد أقول من حبر وورق فقط، فكلّه للمهنة، من الصباح حتى فجر اليوم التالي، لا موعد محددًا للغداء ولا للعشاء ولا للنوم. فكم من مكتب تحوّل إلى غرفة نوم، والكرسي إلى سرير، والسندويشة إلى وجبة شهية. فحين يقتضي الظرف وتسخن الأحداث ينسى الصحفي التعب والجوع ليقتات من دسم الأحداث، ويشرب من نهر الأخبار الذي يتدفق، لكنه لا يغرق، يظل ممسكًا بالقلم ولاحقًا بالكيبورد، بعين مفتوحة على المشهد بتفاصيله يتابعها كلمة كلمة، خطوة خطوة ونتيجة نتيجة.

دخلت بلاط المهنة قبل حوالي خمسين سنة، مترجمًا ومحررًا ورئيس قسم ومدير تحرير عام ونائب رئيس تحرير، وكاتبًا ومحللًا سياسيًا. وفي كل مرة أقرر فيها مغادرة البلاط لأتفرغ للكتابة يشدني إليها الحبر المتغلغل في عروقي، والصفحات التي تدفئني، وطقوس إعداد وجبة كل يوم نقدمها إلى القارئ، وجبة دسمة منوعة تبدأ بالقهوة وتنتهي بآخر حدث في هذا العالم المجنون الذي احترف القتل والحرب واغتيال الحب بسكاكين السياسة حتى غدت الأرض غابة بشرية.

احتضنتني «الدستور» قبل 28 سنة عندما عدت من الكويت بعد 15 سنة في مهنة الصحافة. وقتها كان رئيس التحرير المسؤول الأستاذ محمود الشريف، ورئيس التحرير الدكتور نبيل الشريف رحمهما الله. عاصرت بعدهما أسامة الشريف لفترة قصيرة، ثم تركت. وعندما تسلّم رئاسة التحرير الأخ العزيز محمد حسن التل، عندها كنت في جريدة «الخليج» بالشارقة، طلب مني أن أعود لـ»الدستور»، فعدت. كانت ثماني سنوات من أجمل السنوات. لكن لم تجرِ الرياح بما تشتهي سفننا بسبب الوضع المالي للجريدة، فاستقلت في العام 2018 وتفرغت لكتابة المقالات والأدب حيث أصدرت أربعة كتب، وعلى جدولي المزيد من المشاريع ومن الطاقة. فالصحفي والكاتب «يتقاعد» من العمل اليومي الروتيني لكنه لا «يقعد» منتظرًا الموت ويقول «يالله حسن الخاتمة»، فهذه علمها عند الخالق سبحانه.

واظبت على كتابة المقال في الشؤون العربية والدولية والاجتماعية حتى الآن في الغالية «الدستور»، وفي «البيان» الإماراتية، وتنقل بعض مقالاتي فيهما عدة صحف عربية.

بعد أن غادرت «الدستور» تسلّم رئاسة التحرير الزميل الأصيل المحترم مصطفى الريالات بروح شبابية ورغبة في التجديد، فأضاف للجريدة شخصية تناسب الزمن، فاجتهد وطوّر في الشكل والمضمون.

أثناء وجودي الأول في «الدستور» قبل أن أغادر لأشارك في تأسيس جريدة «الوقت» بالبحرين، لفت انتباهي الشخصي والمهني شاب قليل الكلام كثير العمل، رزين في ابتسامته ومشيته، جاد ليس إلى درجة الجمود، دقيق في التوقيت وفي اختيار الأهم على حساب الأقل أهمية في الخبر والتعليق.

هذا الشاب الذي أحببته أخلاقيًا ومهنيًا، هو ينال البرماوي الذي يتسلّم الآن رئاسة تحرير «الدستور». جاء حاملًا خبرة طويلة في الصحافة، وفيه نكهتها أيام الزمن الجميل. زمن دقة المعلومة، حسن الصياغة، جمالية الكلمة، أناقة الشكل، المصداقية العالية، و.. الإخلاص لأخلاقيات المهنة. ــ الدستور

مواضيع قد تهمك