د محمد كامل القرعان : البرلمان
يمر الأردن بظروف إقليمية ودولية معقدة، وسط تحديات اقتصادية وأمنية متصاعدة. دور مجلس النواب أصبح أكثر حساسية من أي وقت مضى، إذ يحتاج الوطن إلى برلمان يدرك حجم المرحلة ويضع المصلحة الوطنية فوق أي اعتبار حزبي أو سياسي ضيق، يساهم بفعالية في دعم الدولة لإدارة الأزمات وحماية الاستقرار، وتعزيز ثقة المواطن في مؤسساته. اللحظة الحالية لا تحتمل الانقسام أو المزايدة، بل تتطلب التكاتف والشراكة الحقيقية بين المجلس ومؤسسات الدولة لمواجهة المخاطر الراهنة.
وهنا يبرز سؤال مشروع يفرض نفسه على المشهد العام: هل البرلمان ساحة صراع وتكاسر بين الكتل السياسية، أم نقطة تقاطع حقيقية مع المصالح العليا للدولة الأردنية؟
إن الاختلاف السياسي ظاهرة صحية في أي نظام ديمقراطي، لكن الخطورة تكمن حين يتحول هذا الاختلاف إلى حالة من الاشتباك الدائم، أو إلى سباق شعبوي لتسجيل المواقف، أو إلى تعطيل غير مباشر لمسار الدولة في إدارة أزماتها. فالبرلمان ليس منبرًا للمزاودة، ولا حلبة لتبادل الرسائل، بل مؤسسة دستورية يفترض أن تكون شريكًا فاعلًا في صناعة القرار، وسندًا للدولة في مواجهة التحديات.
ويجب التذكير هنا بأن العمل النيابي الفعّال لا يقوم على الاحتجاج أو المزايدة، بل على الالتزام بالقواعد الدستورية، واحترام إجراءات التشريع، والانخراط في خندق واحد مع الدولة لمواجهة المخاطر الراهنة، بدل أن يصبح المسرح مجالًا للصراعات السياسية أو تسجيل النقاط.
وهذا يعكس دور معظم برلمانات العالم، التي يفترض أن تكون شريكًا للدولة في مواجهة التحديات، لا مجرد ساحة للصراعات الداخلية أو تسجيل النقاط السياسية. البرلمانات الناجحة عالميًا توازن بين الاختلاف السياسي والمسؤولية الوطنية، وتعمل على دعم مؤسسات الدولة وتعزيز استقرارها، مع الحفاظ على الرقابة والمساءلة. الأردن يحتاج اليوم إلى نفس هذا النوع من البرلمان، الذي يضع المصلحة العليا للوطن فوق أي اعتبار حزبي أو شخصي.
الأردن اليوم لا يحتاج إلى خطاب نيابي مرتفع النبرة بقدر ما يحتاج إلى برلمان متطور فكريًا وسياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، يدرك حجم التحديات، ويقرأ المشهد الإقليمي بعين الدولة لا بعاطفة اللحظة، ويمارس رقابته بمسؤولية، وتشريعه برؤية إصلاحية ناضجة، بعيدًا عن الحسابات الضيقة والمكاسب الآنية.
كما أن العلاقة بين البرلمان ومؤسسات الدولة يجب أن تُبنى على مبدأ التعاون والتشبيك لا التصادم، فنجاح البرلمان في أداء دوره الرقابي والتشريعي هو نجاح للدولة، ومسؤوليته تجاه الوطن تتطلب وعيًا ومثابرة. وفي زمن الأزمات، يصبح من الضروري أن يكون البرلمان في خندق وطني واحد لمواجهة أي خطر يهدد أمن الوطن واستقراره.
وفي هذا السياق، نريد برلمانًا بحجم اللحظة ودقة المرحلة، شريكًا لا خصمًا، سندًا لا عبئًا، يشتبك مع التحديات، ويساهم في تثبيت قواعد اللعبة الوطنية التي تمضي الدولة بكل طاقتها لترسيخها، حمايةً للوطن وصونًا لاستقراره.
فالمواطن لم يعد يبحث عن صراعات تُبث على الشاشات، بل عن نتائج تُلمس في حياته اليومية، وتشريعات تُنصفه، ورقابة تحمي المال العام دون أن تُربك المشهد الوطني. الثقة الشعبية لا تُبنى بالشعارات، بل بالأداء، ولا تُستعاد إلا حين يشعر الشارع أن ممثليه يدركون حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم.
الأردن أقوى بتكامل مؤسساته، وأصلب حين تتقاطع إرادة البرلمان مع توجهات الدولة، لا حين تتصادم. وفي لحظة تاريخية كهذه، يكون الرهان الحقيقي على وعي المجلس، ونضج خطابه، وقدرته على أن يكون جزءًا من الحل لا جزءًا من الأزمة.
ـــ الراي