الأخبار

رمزي الغزوي : الذهب ذاكرة للعنف

رمزي الغزوي : الذهب ذاكرة للعنف
أخبارنا :  

سأهرب بكم إلى فضاء آخر للذهب، غير ذلك الذي شهدنا فيه هبوطاً عمودياً في أسعار المعدن النفيس أدى إلى فقدان 2.5 تريليون دولار من القيمة السوقية لأصوله، ولتصل الخسائر 5 تريليونات دولار عالميا في جلستين فقط نهاية الأسبوع الماضي.

سأهرب إلى صخب آخر، لربما يكون أسهل على الهضم من شطحات الأسواق وجنونها. فالخاتم الذهبي وليد صخب كوني حدث قبل مليارات السنين. أي أننا في الحقيقة لا نتختم بمعدن بقدر ما نحمل من أثر لاصطدام نجوم مهولة ورذاذ انفجارات لا يمكن وصفها إلا بقليل من الخيال.

الذهب ليس عنصرا عابرا في الجدول الدوري. هو العنصر رقم 79، وتضم نواته 79 بروتونا. هذه النواة تحتاج لكي تولد حرارة لا تنتجها حتى الشمس، ولا أي نجم عادي مهما علا صهيله. وهنا لا بد أن نتذكر ما قاله العالم «جورج غاموف» من أن النجوم مصانع رائعة، لكنها تتوقف عند بوابة الحديد. أي بعد هذا العنصر ندخل إلى منطقة المستحيل؛ لنقف أمام سؤال حادّ، إذا كانت النجوم لم تصنع الذهب، فمن صنعه؟

الجواب لا يقيم تحت سقف الضوء المعروف. فحرارة الشمس البالغة 15 مليون درجتها تبدو شعلة شمعة أمام ما يحتاجه الذهب من حرارة ليكون. فحتى نجوم السوبرنوفا بانفجارها الذي يحطم مقاييسنا، ليست سوى عاصفة لطيفة أمام حرارة الـ10 مليارات المطلوبة لتصنيعه. هنا، في تخوم العنف، يتدخل النجم النيوتروني. الكائن الكوني الذي تزن ملعقة واحدة منه أربعة مليارات طن.

فحين يتصادم اثنان من النجوم النيوترونية أو أكثر يشتعل الكون بحادثة ندعوها «كيلونوفا». هذه الحادثة توفر شروط التقاط النيوترونات السريع؛ العملية التي تمنح الكون عناصره الثقيلة كلها، من الذهب إلى اليورانيوم. وبعد الولادة العسيرة تلك تبدأ رحلة أخرى، إذ يتحول الذهب إلى غبار معدني يسافر في الفضاء لملايين السنين، ثم يستقر داخل سحابة جزيئية عملاقة، ستصنع فيما بعد الشمس.

بعد تكوّن كوكبنا، يدفع القصف النيزكي والبراكين الذهب ليترسب في أحشاء التراب وعروق الكوارتز. نثار الذهب الذي نجده في نهر، أو القطعة التي نشتريها من الصائغ، ليست إلا بقايا انفجار أقدم من الشمس بكثير.

هو شيء يذكّرنا بأن ما هو أغلى في الوجود، لا يولد إلا تحت الضغط والعنف والحرارة القصوى. وأن ما نفتن به الآن ليس زينة أو مالا. الذهب توقيع صغير من الفصول الأولى في تاريخ كوننا. فهل نبالغ، إن قلنا إنه ذاكرة العنف الذي صنع الجمال، أو ذاكرة الانفجار الذي منحنا معنى اللمعان. ــ الدستور

مواضيع قد تهمك