الأخبار

د. محمد رسول الطراونة : الأردن والسياحة العلاجية: تحديات وآفاق مستقبلية

د. محمد رسول الطراونة : الأردن والسياحة العلاجية: تحديات وآفاق مستقبلية
أخبارنا :  

تأتي هذه المقالة استكمالاً للحوارات والتوصيات التي طرحتها الندوة العلمية حول "تحديات السياحة العلاجية في الأردن"، التي عُقدت مؤخرا في جامعة عمان التطبيقية، وشاركت فيها كمتحدث في أحد المحاور الرئيسة.

لطالما شكلت السياحة العلاجية رافداً حيوياً للاقتصاد الوطني، ورمزاً للتميز والجودة التي تخطت حدود المنطقة، لتحقق للأردن مكانة عالمية كوجهة طبية موثوقة. تستعرض هذه المقالة رحلة القطاع من ذروة الإنجازات إلى مواجهة التحديات الراهنة، مسلطة الضوء على الجهود المؤسسية البناءة، مع تحليل للمستجدات والرؤية المستقبلية.

حتى فترة قريبة، تبوأت الأردن مكانة متقدمة كإحدى أبرز الوجهات العالمية للسياحة العلاجية، حيث حصلت على المرتبة الأولى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وكانت المملكة تستقبل سنوياً ما يقارب 250 ألف مريض، يرافقهم ضعف هذا العدد تقريباً من المرافقين، مما يعكس ثقة واسعة النطاق، وقد توج هذا التميز بحصول الأردن على جائزة أفضل مقصد للسياحة العلاجية في مؤتمر دولي في الإمارات العربية المتحدة، وانتخاب ممثل عنها لرئاسة المجلس العالمي للسياحة الصحية الذي يضم 30 دولة. ولم تكن هذه الإنجازات وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة منظومة متكاملة من العوامل الجاذبة: جودة طبية عالية تقدمها كوادر مؤهلة وتكلفة تنافسية مقارنة بمستوى الخدمة المماثل في أوروبا وأمريكا، ونظام خالٍ من قوائم الانتظار الطويلة، وسمعة طيبة تراكمت عبر سنوات من النزاهة والكفاءة. وقد عزز ذلك اعتماد العديد من المستشفيات الخاصة للمعايير الدولية للجودة.

شكلت هذه النجاحات ثمرة جهود مؤسسية مخططة، حيث شهد عام 2018 إطلاق استراتيجية وطنية للسياحة العلاجية تحت إشراف المجلس الصحي العالي وبمشاركة القطاعين العام والخاص، كما شهد عام 2019 تشكيل مجلس أمناء للسياحة الصحية والتعافي ضم مختلف القطاعات المعنية، بهدف تعزيز مكانة الأردن ومتابعة شؤون هذا القطاع الحيوي. وفي مسيرة تطوير القطاع الصحي الأردني والإطار الذي ساهم في نضوج السياحة العلاجية، برزت جهود العديد من القيادات. ومن بين تلك الأسماء معالي الدكتور غازي الزبن، وزير الصحة الأسبق، الذي ركزت جهوده على تعزيز البنية التحتية الصحية كما ساهم دعمه لفكرة التكامل بين القطاعين العام والخاص والتركيز على التدريب وتحسين جودة الخدمات، في خلق بيئة محفزة للتميز الطبي الذي شكل أساس سمعة السياحة العلاجية.

شكلت السياحة العلاجية رافداً اقتصادياً مهماً، حيث كان ثلث إيراداتها يذهب مباشرة للقطاع الطبي، بينما كان الثلثان الباقيان يدفعان عجلة قطاعات سياحية وخدمية أخرى كالطيران والفنادق والمطاعم والنقل. ويمتلك القطاع الخاص أكثر من ثلثي أسرة المستشفيات في المملكة، حيث تجاوز حجم الاستثمارات فيه 3 مليارات دينار أردني، وقد وفر هذا الاستثمار الضخم أكثر من35 ألف فرصة عمل مباشرة وما يزيد عن 60 ألف فرصة عمل غير مباشرة في القطاعات المساندة، مما جعله أحد أكبر روافد التشغيل في البلاد.

وشكل عام 2020 نقطة تحول جذرية واختباراً قاسياً لمرونة القطاع حيث أدت جائحة كورونا إلى إغلاق الحدود الجوية والبرية، مما أوقف تدفق المرضى الوافدين تماماً. وكانت النتيجة كارثية على المستوى الاقتصادي، حيث تراجعت إيرادات القطاع السياحي ككل بنسبة 44% خلال النصف الأول من عام 2021 مقارنة بالعام السابق. ومع بدء التعافي العالمي، شرع الأردن في عملية تعافٍ بطيئة لتواجه خلالها تحديات جسيمة منها: المنافسة الإقليمية الشرسة التي تمثلت في ظهور وجهات إقليمية جديدة، وتقدم خدمات طبية متطورة بحملات تسويقية قوية، وارتفاع الكلف التشغيلية بسبب التضخم العالمي وارتفاع أسعار المستلزمات الطبية والطاقة، وتعقيدات التأشيرات: حيث كانت وما زالت إجراءات منح التأشيرات للجنسيات المقيدة وما تزال تشكل عائقاً أمام عدد كبير من المرضى المحتملين، والتحدي الأكبر كان وما زال تشتت الإشراف حيث تُدار السياحة العلاجية من قبل عدة جهات (وزارة الصحة، هيئة تنشيط السياحة، وزارة الداخلية، القطاع الخاص) دون تنسيق مركزي فعال، مما يؤدي إلى ضبابية في السياسات وبطء في اتخاذ القرار.

أما الفرصة الجديدة تبرز في إطار السياحة العلاجية التكاملية ،فتبرز هذا اتجاه عالمي نحو دمج العلاج مع الاستجمام، إذ يمتلك الأردن مقومات فريدة في هذا المجال، مثل الينابيع المعدنية في الحمة الأردنية وشلالات ماعين، وأملاح البحر الميت العلاجية، إلا أن هذه الفرصة تحتاج إلى حزم سياحية متكاملة تُسوق عالمياً، تجمع بين برنامج علاجي في مستشفى متخصص وإقامة استجمامية في هذه المواقع الطبيعية.

رغم العاصفة التي مر بها القطاع، فإن أسس النجاح ما زالت قائمة: الكفاءة الطبية، والجودة، والسمعة الطيبة، والبنية التحتية المتطورة. لاستعادة الزخم والمكانة الرائدة، لا بد من: توحيد الرؤية والإشراف من خلال إنشاء هيئة وطنية عليا للسياحة العلاجية تتمتع بصلاحيات تنفيذية وتضم جميع الجهات المعنية، لإنهاء حالة التشتت الحالية، تطوير وتسويق الحزم العلاجية التكاملية: تصميم عروض "علاج واستجمام" مبتكرة تستثمر المواقع الطبيعية والثقافية الفريدة التي يمتلكها الأردن، تخفيف القيود الإجرائيةمن خلال تسهيل إجراءات منح التأشيرات الطبية وتبسيطها، خاصة للأسواق المستهدفة والجنسيات المقيدة، تنفيذ حملات تسويقية ذكية ومستهدفة تتمركز حول استخدام الأدوات الرقمية والعلاقات العامة للوصول إلى مرضى جدد في أسواق غير تقليدية مثل (أفريقيا، وآسيا الوسطى، وأوروبا الشرقية)، مع التركيز على الشفافية في الفواتير الطبية، دعم القدرة التنافسية للمستشفيات الخاصة لمواجهة ارتفاع الكلف التشغيلية للحفاظ على أسعارها الجاذبة.

خاتمة الكلام: الأردن، بتراثه الطبي العريق، وموارده الطبيعية الاستشفائية الفريدة، وموقعه الإستراتيجي، وشبكة مستشفياته المتطورة، وكوادره المؤهلة، يمتلك كل المقومات ليعود ليس فقط كوجهة علاجية، بل كمنصة رائدة للصحة والاستجمام على مستوى المنطقة، الأمر يتطلب إرادة سياسية، وتنسيقاً مؤسسياً فاعلاً، واستثماراً ذكياً في التسويق والابتكار لتحويل التحديات إلى فرص، وإعادة كتابة فصل جديد من فصول التميز في السياحة العلاجية. لقد كانت السياحة العلاجية في الأمس دليلاً على قدرة الأردن على التميز، وهي اليوم تحدياً يستدعي الابتكار، وغداً فرصة لاستعادة المكانة بخطى واثقة وجهد جماعي منظم.

مواضيع قد تهمك