الأخبار

أ. د. ليث كمال نصراوين : المجلس الصحي العالي بين الإبقاء والإلغاء

أ. د. ليث كمال نصراوين : المجلس الصحي العالي بين الإبقاء والإلغاء
أخبارنا :  

عقد المجلس الصحي العالي قبل أيام أولى جلساته بعد سنواتٍ طوال من الغياب، وذلك عقب قرارٍ اتخذته إحدى الحكومات السابقة بتجميده والسير في إجراءات إلغائه، قبل أن يصدر قرار لاحق عن الحكومة الحالية بإعادة العمل بالمجلس وتفعيله من جديد. ويثير هذا المشهد تساؤلات دستورية تتجاوز المجلس بذاته، لتطال آلية عمل الحكومات المتعاقبة، وكيفية إصدارها لقراراتها ومتابعة تنفيذها، وأسلوب إدارة المرافق العامة في الدولة.

فالمجلس الصحي العالي أُنشئ بموجب قانون خاص صدر عام 1999، كمؤسسة عامة تتمتع بشخصية اعتبارية ذات استقلال مالي وإداري، ويتمتع بالإعفاءات والتسهيلات التي تتمتع بها الوزارات والدوائر الحكومية، كما تُعد أمواله أموالاً عامة يتم تحصيلها وفقاً لأحكام قانون تحصيل الأموال الأميرية. وتتمثل غايات المجلس في رسم السياسة العامة للقطاع الصحي في المملكة، ووضع الاستراتيجية الوطنية لتحقيقها، وتنظيم العمل الصحي وتطويره في مختلف قطاعاته، ويتألف من وزير الصحة رئيساً، وعضوية عدد من الوزراء، ومدير عام الخدمات الطبية الملكية، إلى جانب ممثلين عن القطاعات الصحية والنقابية والأكاديمية ذات الصلة.

لقد منح المشرّع الدستوري مجلس الوزراء الولاية العامة في إدارة جميع شؤون الدولة الداخلية والخارجية، وهو ما يفسّر اختلاف توجهات الحكومات المتعاقبة ورؤاها البرامجية في التعامل مع القطاعات الحيوية المختلفة، ومن ضمنها القطاع الصحي. غير أن هذه الصلاحية الدستورية، مهما اتسع نطاقها، تبقى مقيدة بمبدأ المشروعية وبتراتبية القواعد القانونية؛ فلا يجوز للسلطة التنفيذية تعطيل أو تجميد العمل بأحكام قانون نافذ بإرادتها المنفردة. فالقانون، متى صدر عن السلطة التشريعية وفق الأصول الدستورية، يصبح ملزماً لجميع السلطات وحجة في مواجهة الكافة، ولا يجوز وقفه أو تعطيله بقرار حكومي أو إجراء إداري.

وطالما أن المجلس الصحي العالي قد أُنشئ بقانون صادر عن مجلس الأمة، فإن إلغاءه أو وقف العمل بأحكامه لا يكون إلا بقانون مماثل له في المرتبة، يصدر عن الجهة التشريعية ذاتها ووفق الإجراءات الدستورية المقررة. أما القرارات الحكومية، مهما علت درجتها، فلا تملك سوى اقتراح الإلغاء أو الشروع في مساره التشريعي، دون أن تمتد صلاحيتها إلى تجميد وجوده أو تعطيل آثاره القانونية.

وعليه، فإن القرار الحكومي الصادر عام 2021 بالسير في إجراءات إلغاء قانون المجلس الصحي العالي لا يمكن اعتباره إلغاءً فعلياً للمجلس، بل تعبير عن نية سياسية بالشروع في مسار تشريعي لم يُستكمل. وبقي القانون نافذاً والمجلس قائماً من الناحية الدستورية، وإن غاب عن دوره العملي، الأمر الذي أفرز حالة إشكالية تكون فيها المؤسسة موجودة قانوناً، ومعطلة فعلياً.

إن المجلس الصحي العالي ليس وليد اللحظة، ولا مؤسسة مستحدثة بلا جذور مؤسسية، بل يعود وجوده إلى عقود سابقة، إذ كان يتم إنشاؤه قبل عام 1999 بموجب نظام يصدر عن السلطة التنفيذية. غير أن الدولة ارتأت تعزيز مكانة المجلس ودوره في بنية النظام الصحي الوطني، فتم إنشاؤه بموجب قانون خاص صادر عن مجلس الأمة، منحه شخصية اعتبارية واستقلالاً مالياً وإدارياً. ويعكس هذا التحول التشريعي إرادة واضحة لدى المشرّع الأردني في تحصين المجلس، وتثبيت دوره الاستراتيجي، وإخراجه من دائرة التقلبات الإدارية والقرارات التنفيذية المتغيرة.

ولا يمكن فهم قرار المشرّع بالارتقاء بالمجلس الصحي العالي إلى مرتبة مؤسسة مستقلة منشأة بقانون، إلا في ضوء الأهمية الخاصة للدور الذي أُنيط به. فالمجلس لا يتعامل مع مرفق إداري تقليدي، بل مع قطاع يمس أحد أهم الحقوق الدستورية للمواطنين، وهو الحق في الصحة، وما يرتبط به من سياسات عامة تتداخل فيها الأبعاد الصحية والاقتصادية والتعليمية والاجتماعية.

ومن هنا، جاء الخيار الوطني بمنح المجلس الوجود الاعتباري المستقل عن مؤسسات الدولة الحكومية، ليكون قادراً على أداء مهامه الاستراتيجية بكفاءة وحياد، بعيداً عن الضغوط الإدارية اليومية والتغيرات التنفيذية المتسارعة، وليشكّل مرجعية وطنية عليا لصنع السياسة الصحية وتنسيق الجهود بين مختلف الجهات ذات العلاقة.

وهنا يثور تساؤل آخر يتعلق بمتابعة تنفيذ القرارات الحكومية ذاتها؛ فحتى مع التسليم بالولاية العامة للحكومة في إدارة المرافق العامة من خلال إنشاء وحدات جديدة أو إلغاء القائم منها، فإن إصدار القرارات ذات الصلة وتركها معلّقة دون ربطها بأطر زمنية واضحة لتنفيذها، لا ينسجم مع متطلبات الإدارة الرشيدة، ويُضعف مبدأ استمرارية المرافق العامة وعملها بانتظام واضطراد.

إن اختلاف القرار بين حكومتين حول مصير المجلس الصحي العالي يُعد من حيث المبدأ تبايناً مشروعاً سياسياً ودستورياً، لكنه يصبح إشكالياً عندما يتعلق بمؤسسات وطنية ذات طابع استراتيجي، يُفترض أن تكون بمنأى عن التقلبات التنفيذية. فالمجلس الصحي العالي، بحكم تركيبته القانونية، أُريد له أن يكون منصة وطنية جامعة لصنع السياسة الصحية، لا أداة خاضعة لتبدل الأولويات الحكومية قصيرة الأمد.

وفي الختام، فإن عودة المجلس الصحي العالي إلى الانعقاد يؤكد أن استقرار العمل المؤسسي لا يتحقق بتعليق النصوص القانونية أو تجاوزها، وإنما بتفعيلها وتطويرها ضمن المسارات الدستورية السليمة، بما يضمن وضوح القرار، واستمرارية السياسات العامة، وتعزيز الثقة بالإدارة العام. ــ الراي

مواضيع قد تهمك