د. محمد بزبز الحياري :الشخصية العربية .. ما بين القيادة والتبعي
تابعت لقاء لاحد المفكرين وهو يقارن ما بين الشخصية الصينية والهندية وتكوينهما القيادي والتبعي، واثبت ان الشخصية الصينية هي شخصية قيادية على عكس الشخصية الهندية وعرض حججه لدعم هذا الاثبات، هنا ذهبت بالفكر والتأمل لشخصيتنا، الشخصية العربية ومتسائلا :
هل الشخصية العربية شخصية قيادية أم تبعية ؟ ثم تطور السؤال بذهني ، متى تكون الشخصية قيادية ومتى تكون تبعية؟، بمعنى ماهي سماتها هنا ، وسماتها هناك؟، ثم هل الشخصية العربية اذا كانت قيادية، كانت دوما كذلك، ام دوما تبعية أم انها تتبدل بإختلاف الزمان والبيئة ؟ الموضوع كبير ومعقد، الا اني حاولت بالسطور اللاحقة الاحاطة قدر الامكان بهذا الموضوع الشائك والمثير للجدل.
الشخصية على المستوى الفردي، هي مجموعة السمات الفريدة التي تشكل طريقة تفكير الفرد وشعوره وتصرفاته وتكيفه، وهي نتاج تفاعل العوامل الوراثية والبيئية مع مرور الوقت، وعليه تتشكل الشخصية القيادية من سمات ومظاهر كثيرة اهمها القدرة على المبادرة، والاستقلال بالتفكير، والثقة بالنفس، والقدرة على اتخاذ القرار وتحمل مسؤوليته، ولا ننسى التأثير بالآخرين وتوفر الرؤية المستقبلية،وتمتد هذه الصفات وغيرها بشكل اكبر وأعقد لتشمل المجتمع بأكمله وتأخذ شكل النمط العام المشترك بين أفراده، ثم بينه وبين المجتمعات الٱخرى ، في التفكير والسلوك والقيم، وتشمل طريقته في رؤية السلطة، ونظرته للزمن، هل يخطط أم يعيش اللحظة؟ أسلوبه في التعامل مع الخلاف ،مفهوم الكرامة والطاعة، علاقة الفرد بالجماعة وعلاقة الجماعة بالفرد ،فعندما نقول ان المجتمع يميل إلى الطاعة أكثر من المبادرة، أو انه قيادي أكثر من كونه تبعي، فنحن هنا نتكلم عن الشخصية الجمعية ، شخصية المجتمع، شخصية الامة.
الشخصية العربية وعلى مر التاريخ لم تكن يوما قالبًا واحدًا وثابتا، بل كانت نتاج تاريخ وثقافة وسياسة وتعليم وإقتصاد، ومن هنا يمكننا أن نفهم الاتجاه العام للشخصية العربية.... ففي العمق الثقافي، العربي وعلى مر التاريخ كانت الشخصية العربية شخصية قيادية، فمنذ ايام القبيلة، كان يُربّى( المجتمع) على تحمّل المسؤولية، الفروسية، المبادرة الاقدام، حماية الجماعة، وكيفية إدارة شؤونها، حتى ان اللغة العربية هي لغة أمر وفعل ومبادرة وكبرياء، وليست لغة خضوع، وأدبها ودواوين شعرها تشهد بذلك وترسخه، ثم جاء الدين، وقدّم نموذج الخليفة في الأرض، أي المسؤول عن ا دارة المسيرة لا التابع.
في التاريخ قاد العرب حضارات، ودول، وعلوم وفنون لقرون عديدة، وهذا يعني أن البنية النفسية الأصيلة للعربي قيادية وليست تابعة.
اذا ،فالسؤال الجوهري: لماذا تبدو الشخصية العربية اليوم تبعًية وغير قيادية؟
ببساطة لأن غالبية الأنظمة الحديثة، سواء كانت مستعمِرة أو (وطنية) أعادت تشكيل الشخصية العربية من خلال عوامل متعددة اهمها بوجهة نظري:
_ القمع السياسي: حين يُعاقَب من يفكّر أو يعترض او يبادر، هنا يتعلّم ويتربى الإنسان والمجتمع على أن السلامة في الطاعة، لا في المبادرة، فيتحول الذكاء إلى حذر، لا إلى قيادة وتختفي نوازعها ومظاهرها شيئا فشيئا.
_ التعليم التلقيني: فالمدرسة العربية تعلّم بطريقة، احفظ، ابصم، لا تناقش، لا تخطئ، فتصبح الاجيال خاضعة وتابعة، ويكون الناتج شخصية مُنَفِّذة تفتقر لروح المبادرة والقيادة.
_ الاقتصاد الريعي: حين يكون الدخل مرتبطًا بالوظيفة الحكومية والواسطة كسبيل للحصول عليها، هنا يكون الولاء أهم من الكفاءة، وهنا تُقتَل روح القيادة والمبادرة وتظهر التبعية بأسواء اشكالها.
_ الدين المُسيّس: حين يُقدَّم الدين كطاعة للسلطة لا كمسؤولية أخلاقية، يتحوّل الإنسان إلى تابع باسم الفضيلة.
بعد كل هذا وغيره تتضح النتيجة النفسية التي تربت عليهاالشخصية العربية اليوم، فهي شخصية غالبًا ذكية وواعية، لكنها مكبوتة ومنقادة، فتظهر في صورتين متناقضتين، خارج السلطة شخصية ناقدة، ساخرة، متمردة، اما داخلها، فهي صامتة، مطيعة، حذرة ، وبحقيقة الامر هذا ليس تناقضًا فعليا… بل ضرورة من ضرورات البقاء بما تقتضية المعطيات على ارض الواقع من تلون وتكيف.
الخلاصة والنتيجة الناصعة كما ٱراها:
ان العربي ليس تابعًا بطبيعته ، بل قائد ومبادرا، تم كسر أنفته وشموخه وكبريائه، سياسيًا وتربويًا واقتصاديا، وحين يُرفع القمع، تظهر القيادة فورًا، والدليل على ذلك كما رأينا في الحراكات، وريادة الأعمال، والهجرة، وكيف يتفوق العربي في الخارج في القيادة وشتى مناحي الحياة.
السؤال الان: هل يمكن إعادة بناء الشخصية القيادية العربية، أم أن التبعية أصبحت ثقافة متجذّرة؟.
سؤال برسم الضغط والوعي.