أ. د. فالح السواعير : تمويل الابتكار الجامعي: من البحث العلمي إلى السوق؟ من المعرفة العلمية إلى فجوة التطبيق (1-2)
إذا كانت الجامعة مطالبة بدعم تأسيس الشركات المنبثقة (Spinouts) وبناء اقتصاد قائم على المعرفة، فإن ترجمة هذا الطموح إلى واقع يتطلب أداة حاسمة: التمويل الذكي والموجه. فالفارق الجوهري بين جامعة تنتج المعرفة النظرية فقط وجامعة تنجح في تخريج شركات ناشئة يكمن في قدرتها على "هندسة" منظومة تمويلية متكاملة ترافق البحث العلمي في كل مرحلة من مراحل نضجه التكنولوجي. وبما أن الهياكل التمويلية الجامعية التقليدية لم تُصمَّم أصلاً لدعم مسار التحويل التجاري، يصبح السؤال المحوري الذي يواجه الجامعات اليوم هو: كيف يمكن تصميم وإدارة نموذج تمويلي فعال يغطي رحلة الابتكار بأكملها، من المختبر إلى السوق؟
قبل الإجابة على السؤال المحوري حول التمويل، من الضروري أولاً التعرّف على خارطة طريق نضج البحث العلمي، والتي تُقسَّم عالمياً وفق مستويات الجاهزية التكنولوجية (Technology Readiness Levels - TRL) إلى تسع مراحل متدرجة. تبدأ الرحلة بمرحلة البحث العلمي الأساسي (TRL 1–3)، حيث يتم رصد المبادئ واكتشاف الظواهر العلمية (TRL1)، ومن ثم صياغة مفهوم تطبيقي محتمل (TRL2)، وإجراء تجارب مختبرية أولية لإثبات المفهوم (TRL3). تليها مرحلة حاسمة هي التطوير والاختبار (TRL 4–6)، والتي تشمل التحقق من الأداء في بيئة مخبرية متخصصة (TRL4)، ثم بيئة تحاكي الواقع الفعلي (TRL5)، وتنتهي بتطوير نموذج أولي متقدم وجاهز للعرض (TRL6). وأخيراً، تختتم المراحل بمستوى التطبيق والتشغيل الكامل (TRL 7–9)، حيث تُختبر الأنظمة في بيئات تشغيل فعلية (TRL7)، وتُستكمل عمليات التأهيل والاعتماد للإنتاج (TRL8)، وصولًا إلى الاستخدام التجاري واسع النطاق (TRL9).
وفي هذا السياق، تبرز حماية الملكية الفكرية (Intellectual Property, IP) كركيزة استراتيجية لنجاح الابتكار؛ إذ تبدأ من مراحل النضج الأولى (TRL 2-3) لضمان الأولوية القانونية للتقنية، ثم تتطور كجسر آمن لنقل المعرفة خلال مراحل التطوير اللاحقة. والأهم من ذلك، أن الحماية الفكرية هي ما يمنح الشركاء الصناعيين والمستثمرين "اليقين القانوني" والحصرية اللازمة لضخ استثماراتهم؛ مما يسهل نقل الابتكار من المختبر إلى السوق ضمن إطار تعاقدي منظم، يضمن حقوق الجامعة ويحقق عوائد مستدامة لكافة الأطراف.
وبينما يشكل التمويل الجامعي التقليدي حجر الأساس لرفد الأبحاث الأولية (TRL 1–3)، إلا أنه غالباً ما يصطدم بعقبة "وادي الموت" عند محاولة العبور نحو مراحل التطوير المتقدمة (TRL 4–6). وفي هذه الفجوة الحرجة، يبرز تمويل إثبات المفهوم (Proof-of-Concept - PoC) كطوق نجاة أو "تمويل جسري" لا غنى عنه؛ فهو المحرك الذي ينقذ الابتكارات الواعدة من الركود داخل المختبرات، ويمنحها الزخم اللازم للتحول إلى نماذج تقنية قابلة للاختبار السوقي والتطبيق الواقعي.
لتجاوز هذه الفجوة بنجاح، يقع على عاتق الجامعات -عبر مكاتب نقل التكنولوجيا أو مراكز الابتكار- تبني إستراتيجية مزدوجة المسارات: المسار الأول (التمكين الإستراتيجي): ويشمل تقييم الجاهزية التكنولوجية للخروج من المختبر، وتحليل عمق السوق، مع صياغة أطر قانونية واضحة للملكية الفكرية تنظم العلاقة بين المبتكر والجامعة وترسم مسارات التسويق التجاري. المسار الثاني (الاستدامة المالية): ويتمثل في مأسسة "تمويل العبور" كجزء أصيل ومستدام من الهيكل المالي للجامعة، وليس كمبادرة مؤقتة. فبالرغم من صغر حجم تمويل العبور مقارنة بالاستثمارات اللاحقة، إلا أن أثره النوعي هائل؛ حيث تؤكد الإحصاءات العالمية (مثل النماذج الأمريكية) أن كل دولار يُستثمر في هذه المرحلة يمثل قوة جذب استثمارية تُولّد ما متوسطه 22 دولاراً من رؤوس الأموال الجريئة، مما يحول البحث العلمي من مركز تكلفة إلى محرك نمو اقتصادي. فكيف تُبنى الاستدامة المالية؟
sawair@ju.edu.jo
نائب رئيس الجامعة الأردنية لشؤون الاعتماد والتصنيف العالمي والاستدامة