رومان حداد : محاولة للفهم.. كيف يعيد الشباب تعريف الاستقرار؟
شكلت الوظيفة الحكومية في الأردن، ولوقت طويل، أكثر من مجرد فرصة عمل، حيث كانت تمثل نموذجاً للحياة المستقرة ومؤشراً على الأمان الاجتماعي والاقتصادي، فالحصول على وظيفة في القطاع العام كان يعني راتباً ثابتاً وتأميناً صحياً وتقاعداً مضموناً ومكانة اجتماعية مقبولة، بل وحتى تصوراً واضحاً للمستقبل، ولكل هذه الأسباب، كان يبدو لأجيال كاملة أن الاستقرار يبدأ من الوظيفة الحكومية وينتهي عندها.
لكن، مع تطور الحياة ووجود قطاع خاص متماسك، وفي ظل حزمة التأمينات الاجتماعية الجيدة في الأردن، سواء من ضمان اجتماعي إلى تأمين صحي خاص يؤمنه القطاع الخاص لموظفيه، فإن نموذج الوظيفة العامة كأمان وضمان مستقبلي للفرد تتعرض لاختبار حقيقي، وهو ما يجعلني أدعي دون مجازفة كبيرة بأننا نشهد اليوم تحولاً عميقاً في مفهوم الوظيفة والعمل تقوده الأجيال الشابة التي لم تعد ترى ذاتها في حركتها داخل هذا العالم بذات الطريقة التي كانت ترى نفسها الأجيال السابقة.
لذلك بتنا نرى أعداداً أكبر من الشباب الأردني لم تعد تعتبر الوظيفة الحكومية الحلم الأول أو المسار الطبيعي للحياة المهنية، ليس فقط بسبب محدودية فرص التوظيف الحكومي، بل بسبب محدودية فرصة التطور الوظيفي والمهني وفروقات الراتب بين القطاع الخاص والقطاع الحكومي، ولأن مفهوم الاستقرار نفسه بدأ يتغير.
هذا التحول لا يخص الأردن وحده، بل يعكس تغيراً عالمياً واسعاً في طبيعة العمل والاقتصاد، ففي العقود الماضية، قامت الاقتصادات الحديثة على الوظائف طويلة الأمد داخل المؤسسات الكبرى والدولة، أما اليوم، فإن الاقتصاد الرقمي والعمل الحر والوظائف المرنة والعمل عن بعد واقتصاد المنصات، أعادت جميعها تعريف العلاقة بين الفرد والعمل، فالشاب الذي كان يبحث سابقاً عن وظيفة مدى الحياة أصبح يبحث أحياناً عن فرصة مرنة تسمح له بالتحرك وتطوير نفسه وزيادة دخله، حتى لو افتقد الشكل التقليدي للأمان الوظيفي، فالأمان لم يعد يعني الثبات في المكان، بل قدرة الشاب على تطوير معارفه ومهاراته وتجاوز العصر وليس مواكبته فقط، لأن ذلك هو ما يتيح له فرص عمل بصورة مستمرة وفق متطلبات السوق واحتياجاته.
وفي الأردن، بدأت تظهر هذه التحولات بصورة واضحة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 22-30 عاماً، خصوصاً في المدن الكبرى، فهذا الجيل ينظر إلى الوظيفة الحكومية باعتبارها وظيفة منخفضة الدخل وبطيئة التطور مقارنة ببعض الفرص الجديدة التي يتيحها الاقتصاد الرقمي أو القطاع الخاص أو العمل المستقل، كما أن انتشار العمل عن بعد مع شركات خارج الأردن وتوسع التجارة الإلكترونية وصناعة المحتوى والعمل الحر عبر المنصات العالمية، خلق نماذج جديدة للنجاح لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة.
لكن فهم هذا التحول يحتاج إلى قراءة أعمق من مجرد المقارنة بين الرواتب أو طبيعة الوظائف، فالمسألة ترتبط أيضاً بتغيرات ثقافية ونفسية واجتماعية، فجيل الشباب الحالي نشأ في عالم مختلف تماماً عن العالم الذي تشكلت فيه تصورات آبائهم عن النجاح والاستقرار، فهو جيل يعيش في فضاء رقمي مفتوح ويرى نماذج حياة متنوعة عالمياً ويتأثر بثقافة السرعة والمرونة والاستقلالية الفردية أكثر من تأثره بالنماذج التقليدية للحياة المهنية.
وهذا لا يعني أن الشباب الأردني تخلى عن فكرة الأمان الوظيفي أو الاستقرار، ولكنه أعاد تعريفهما، حيث بات عدد متزايد من الشباب يربط مفهوم الاستقرار بالقدرة على التحكم بمستقبله، بما يتطلبه ذلك من تعدد مصادر دخله وامتلاك مهارات قابلة للتطور والقدرة على الحركة بين الفرص، لا البقاء في وظيفة واحدة لعقود.
هذا التغير المتسارع يجعل الحكومات الأردنية أمام تحديات كبرى اقتصادياً، حيث يجب توسيع الاقتصاد لاستيعاب هذا الجيل الجديد أو توفير بيئة مرنة ومستقرة للعمل الحر والاقتصاد الرقمي بالقدر الكافي، خصوصاً وأن العديد من الشباب الذين يبتعدون عن الوظيفة الحكومية لا يجدون بالضرورة بديلاً مستقراً، بل ينتقلون أحياناً إلى حالة من اللايقين الاقتصادي، حيث تصبح الحياة المهنية أكثر هشاشة وتقلباً، وهو ما ينعكس سلباً على المزاج العام السياسي والاجتماعي.
هذا التحول الذي يشهده الأردن ليس تحولاً كاملاً، بل هو مرحلة البرزخ، ولكن ما يمكن أن يعطيه دفعة حقيقية للتحرك بتسارع أكبر هو قدرة المؤسسات التعليمية، ابتداءً من المدارس، على تطوير المهارات الفردية والابتكار، لكن هذه المرحلة الانتقالية ليست سهلة، لأنها تتطلب إعادة بناء نظرية التعلم في المدارس، بصورة تسمح بظهور التميز الفردي وحرية التفكير والسؤال، وما يتبع ذلك من متلازمات ضرورية.
لم يعد
ينتظر الفرد، في الاقتصاد الحديث، أن تمنحه الدولة مسار حياته بالكامل، بل
أصبح مطالباً ببناء قيمته الخاصة في السوق عبر المهارات والمعرفة والمرونة،
لكن نجاح التحول إلى هذا النموذج، على المستوى الأردني، يتطلب وجود بيئة
اقتصادية عادلة تسمح بالمنافسة الحقيقية وتخفف البيروقراطية وتحمي المبادرة
الفردية وتمنع الاحتكار، حتى لا يتحول التحرر من الوظيفة الحكومية إلى
مجرد انتقال من استقرار محدود إلى هشاشة مفتوحة. ــ الراي