علي ابو حبلة : المخيمات الفلسطينية بين إعادة الهندسة الجغرافية ومحاولات إسقاط حق العودة
لم تعد المخيمات الفلسطينية مجرد فضاءات سكنية نشأت عقب نكبة عام 1948، بل تحولت إلى كيان قانوني–سياسي يجسد جوهر القضية الفلسطينية وحق اللاجئين غير القابل للتصرف في العودة. ومع التطورات المتسارعة في مخيمات شمال الضفة الغربية، تتزايد المؤشرات على مسار يتجاوز البعد الأمني نحو إعادة هندسة جغرافية–سياسية تستهدف المخيم في بنيته ورمزيته.
تاريخياً، أُنشئت وكالة الأونروا بموجب القرار 302 لعام 1949 كإطار إنساني مؤقت لحين تنفيذ القرار 194 الذي كفل حق العودة والتعويض. غير أن هذا الحق، ورغم ثباته القانوني في منظومة الأمم المتحدة، يواجه اليوم محاولات التفاف عبر إعادة تعريف القضية من حق سياسي جماعي إلى ملف إنساني قابل للإدارة والتسوية.
المخيمات، التي شكلت الوعاء الاجتماعي والرمزي للاجئين، تتعرض اليوم لتحولات ميدانية تشمل فتح الطرق، إزالة البنية العمرانية التقليدية، وإعادة تشكيل الفضاء الداخلي بما يغيّر طبيعتها كبيئة مغلقة مرتبطة بالذاكرة الجماعية للنكبة. كما أن الضغط المتزايد على الأونروا يهدد أحد أهم الشواهد الدولية على استمرار قضية اللاجئين.
الأخطر في هذا السياق هو الاتجاه نحو دمج المخيمات ضمن المخططات الهيكلية للمدن وتحويلها إلى «ضواحي حضرية»، وهو ما قد يؤدي إلى تآكل خصوصيتها القانونية والسياسية. فإدماج المخيم دون ضمانات واضحة قد يعني عملياً تفكيك رمزيته كشاهد على اللجوء، وإضعاف الرابط بين اللاجئ وحقه في العودة.
رغم ذلك، يبقى حق العودة ثابتاً لا يسقط بالتقادم أو بتغيير الجغرافيا، كونه حقاً فردياً وجماعياً محمياً بالقانون الدولي. إلا أن الخطر الحقيقي يتمثل في تفكيك الوعي المرتبط بهذا الحق عبر تغيير الواقع العمراني والاجتماعي للمخيمات.
إن المعركة اليوم لم تعد على الأرض فقط، بل على الذاكرة والهوية والرواية القانونية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى حماية المخيم بوصفه رمزاً سياسياً وقانونياً، ورفض أي محاولات لطمس هويته عبر الدمج أو إعادة التعريف العمراني، حفاظاً على بقاء حق العودة حياً في الضمير والشرعية الدولية.