فهد الخيطان : إلى أين نتجه؟
ليست منطقة الشرق الأوسط وحدها التي تواجه حالة غير مسبوقة من عدم اليقين، وسط هذه الفوضى التي تسود، والعنف الذي بلغ مستويات لم يشهد مثلها منذ تشكلت دوله الحديثة. مناطق واسعة في العالم تعيش أوضاعا مشابهة، وربما بذات القدر من السوء.
مرد تلك الحالة الاضطراب الكبير في سلوك الإمبراطورية الحاكمة، وأعني
الولايات المتحدة، التي أربكت العالم بقيادتها المرتجلة، وانقلابها المفاجئ
على شعاراتها في عهد الرئيس ترامب.
كان يُنظر لقمة ترامب والرئيس الصيني تشي، التي عقدت الأسبوع الماضي على
أنها حدث مفصلي في مسار العلاقات الدولية، لما للبلدين من وزن اقتصادي
وسياسي يفوق أوزان دول العالم مجتمعة. إعلام ترامب بالغ لحد غير معقول،
عندما وصف القمة بالحدث التاريخي.
هذه القمة على وجه الخصوص لا تحمل شيئا من سمات القمم التاريخية، لا في
أجندتها ولا في نتائجها المتواضعة. مجرد تسويات تكتيكية، لاحتواء المنافسة،
كي لا تخرج عن نطاقها الحالي، وتنزلق نحو مواجهة مفتوحة على كل
الاحتمالات. هي قمة بأقل الخسائر، وبلا مكاسب تذكر.
التنافس على كسب الصين ما يزال قائما، زيارة ترامب لم تحسمه أبدا. بوتين
قرر دخول المنافسة على نحو سريع، وأعلن عن زيارة قريبة جدا لبكين، لقطع
الطريق على تفاهمات مع واشنطن قد تمس بمصالحه المتشعبة والعميقة مع الصين.
الاتحاد الأوروبي، بدا كالّلاعب المطرود من المباراة. ترامب لم يعد زعيم
العالم الحر. تحدث في بكين باسم الولايات المتحدة، وتجاهل الغرب. أوروبا
قلقة من تفاهمات أميركية صينية على حسابه. وليس هذا هو مبعث القلق الأوروبي
فقط. واشنطن تمضي بشكل مطرد لفك ارتباطها الأمني والإستراتيجي مع دول
الاتحاد، وترامب مصمم على معاقبة حلف الناتو على تنكره لأميركا في حربها ضد
إيران. الخلاف حول الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط فاقم الأزمة بين حليفي
الأطلسي. والحرب الروسية مع أوكرانيا، خلقت فجوة عميقة من عدم الثقة، يشكك
الأوروبيون بقدرتهم على جسرها في عهد ترامب.
لم يعد أحد من حلفاء أميركا وخصومها يفهمون سياساتها وسلوكها. أميركا
الجنوبية، تعيش تحت مطرقة ترامب؛ تهدد وتتوعد الدول الجارة بالحصار والشطب
من خريطة العالم، إن لم تخضع بالكامل لطلبات البيت الأبيض. كوبا على رأس
القائمة حاليا، وقد تلقى مصير فنزويلا إن فكرت في المقاومة.
اللافت في حالة الفوضى التي اجتاحت عالم ترامب هذا، هو الإخفاق المريع
للمنظمات الدولية والإقليمية في التأثير بمجرى الأحداث. لا نسأل هنا عن
الجامعة العربية، أو المؤتمر الإسلامي، في حالة الشرق الأوسط، لأن السؤال
يغدو سذاجة خالصة، بل عن روابط أكثر حضورا ونفوذا وترابطا، كالاتحاد
الأوروبي، وروابط دول أميركا اللاتينية، إضافة إلى دول وازنة ومؤثرة في
أقاليمها وقاراتها مثل ألمانيا والبرازيل وبريطانيا.
الإشكالية الكبرى، لا تكمن في دور الولايات المتحدة العالمي. ما من أحد
تقريبا يعترض على نفوذها الطاغي، حتى عندما تفكر قوى كبرى كروسيا والصين
والاتحاد الأوروبي، بعالم متعدد الأقطاب، وتسوده علاقات أكثر عدالة
وإنصافا. الصدمة الكبرى إن جاز التعبير، هي رؤية القيادة العالمية
"الأميركية" وهي تفشل في معالجة الأزمات الدولية، والحروب التي تهدد الوجود
الكوني. والأخطر أن هذه القيادة التي تدّعي إنهاء حروب وصراعات عالمية،
راحت تُشعل الأزمات والحروب على غرار حرب الخليج الحالية، وتتركها تطحن
المنطقة والاقتصاد العالمي، ولا تقوى على حسمها. هذا ما يجعل السؤال: إلى
أين نتجه؟ سؤالا مشروعا.