الأخبار

محمد ابو رمان : إسرائيل ودروس المرحلة الجديدة

محمد ابو رمان : إسرائيل ودروس المرحلة الجديدة
أخبارنا :  

بالرغم مما يظهره خطاب بنيامين نتنياهو بالمضي قدماً في مشروع الهيمنة الإقليمية الإسرائيلية، والدعاية السياسية بتغيير الشرق الأوسط والتحول في النظرية الأمنية الإسرائيلية من الدفاع إلى النفوذ الإقليمي، إلاّ أنّه من الواضح أنّ هنالك مراجعات وقراءات مختلفة تجري اليوم في إسرائيل للدروس المستفادة من الحروب التي دخلتها منذ 7 اكتوبر 2023 إلى اليوم.

المفارقة أنّ المراجعات الراهنة لا تأتي من خصوم نتنياهو ولا من أوساط النخب اليسارية في المشهد الإسرائيلي، بل من أوساط مقربة من حكومة نتنياهو ومن الاتجاه اليميني الإسرائيلي. ولعلّ إحدى أهم هذه المراجعات هي الدراسة التي كتبها راز زيمت Raz Zimmt بعنوان « في أعقاب عملية زئير الأسد: استنتاجات أولية وتداعيات إقليمية»، ونشرت في أحد أهم مراكز التفكير والبحث في تل أبيب معهد الأمن القومي الإسرائيلي.

يجادل المقال (المنشور في 6 الشهر الحالي) بأنّه بالرغم من الضربات العسكرية الإسرائيلية والأميركية الكبيرة ضد إيران وتدمير العديد من الأهداف العسكرية، إلاّ أنّ إيران استطاعت الصمود ولم تتحقق العديد من الأهداف الرئيسية مثل إسقاط النظام الإيراني والقضاء على القوة الإقليمية الإيرانية في المنطقة. على النقيض من ذلك تماماً يرى زيمت أنّ إيران تمكنت من خلال «الردع غير المتكافىء» أن تحقق أهدافاً استراتيجية رئيسية، وطوّرت من تعريف قوتها الإقليمية في المنطقة، من خلال مضيق هرمز والقدرة على التحكم في أسعار الطاقة والممرات الدولية والاقتصاد العالمي، وتدعو اليوم إلى التعامل معها كقوة إقليمية تمتلك التأثير على المعادلات الإقليمية بالرغم من الضربات القاسية التي تعرّضت لها خلال الفترة الماضية.

يخلص المقال إلى نتيجة مهمة للغاية بأنّ إسرائيل بدلاً من التفكير والتخطيط للقضاء على إيران بصورة كاملة فإنّ عليها أن تتعامل معها ضمن منطق ردع إقليمي طويل المدى، عبر إعادة تعريف البيئة الإقليمية الجديدة واستراتيجيات الصراع وأدواته، إذ لم تعد القدرات الجوية والصاروخية والعسكرية قادرة على حسم الصراعات اليوم، بل أصبحت هنالك أبعاد اقتصادية وجغرافية على درجة كبيرة من الأهمية في هذه المعادلات الجديدة، مما يعني أنّ على إسرائيل أن تتعامل مع «التهديد الإيراني» على المدى البعيد، خارج نطاق التفكير بـ»الضربات القاضية»، عبر أحلاف استراتيجية وإقليمية بخاصة مع دول الخليج العربي التي تأذت كثيراً من الحرب الراهنة والضربات الإيرانية.

يعترف زيمت بأنّ هنالك اختلافا كبيراً بين رؤية دول الخليج للمرحلة القادمة ورؤية إسرائيل وتباينهما في قراءة مصادر التهديد؛ ففي الوقت الذي تركز فيه إسرائيل على التهديدات الأمنية بخاصة من قبل إيران، فإنّ الخليج يركز على إنهاء الحرب والاستقرار والتنمية الاقتصادية الإقليمية، مما يخلق عقبات سياسية واستراتيجية كبيرة في وجه بناء شراكات إسرائيلية خليجية، فيما يتجاهل الكاتب الشرط السعودي لأيّ تطبيع مع إسرائيل وهو حل سلمي ودولة فلسطينية وهي شروط لن تقبل بها حكومة بنيامين نتنياهو، وربما أي حكومة إسرائيلية أخرى.

المقال الثاني الذي يمثّل أيضاً تحولاً في رؤية بعض النخب الإسرائيلية فهو لأريل كاهانا Ariel Kahana في صحيفة إسرائيل هاليوم، بعنوان حركة دبلوماسية أفضل من حرب عبثية في لبنان، وفي هذا المقال يعترف الكاتب – بمرارة – أنّ التفكير في الانتصار العسكري المطلق على حزب الله مسألة غير واقعية وليست ممكنة، حتى لو احتلت لبنان كاملاً، فهذا سيؤدي إلى تعزيز رواية حزب الله ويضعف أكثر الحكومة لبنانية الحالية.

أكثر من ذلك يعترف كاهانا أنّه بالرغم من حرب التدمير الشاملة في غزة إلاّ أنّ إسرائيل لم تستطع القضاء على حركة حماس، وبالتالي من الضروري التفكير – وفقاً للكاتب- التفكير في الخطوات الدبلوماسية والحلول السياسية، ويقترح انسحاباً إسرائيلياً من جنوب لبنان والتحول نحو مفاوضات قوية مع حكومة لبنانية بما يؤدي إلى تقويتها وتعزيز نفوذها في مواجهة حزب الله.

في المحصلة، ربما لا تزال إسرائيل تمتلك تفوقاً عسكرياً هائلاً، لكن الحروب الأخيرة كشفت في الوقت نفسه حدود القوة الصلبة وحدود فكرة «الحسم النهائي». وما يجري اليوم داخل بعض مراكز التفكير الإسرائيلية يعكس إدراكاً متزايداً بأنّ الشرق الأوسط الجديد الذي بشّر به نتنياهو أكثر تعقيداً وهشاشة، وأقل قابلية للخضوع لمنطق الهيمنة المطلقة مما تصوّره اليمين الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر.

مواضيع قد تهمك