فلحة بريزات : إلى وزير الاتصال الحكومي: عندما تبحث "الحقيقة" عن كفيل
معالي الدكتور محمد المومني الأكرم،
تحية تقدير وبعد،،
استوقفني حديثك الأخير في منتدى "تواصل"، وثمة حقيقة واضحة كشفتها رؤيتك وتوضيحك اللاحق؛ إذ ظهر الخطاب الحكومي مستنجداً بالمنصات الرقمية، وبمنطق الاستعانة بالناشطين والمؤثرين لتسويق الرواية الرسمية أو نفي الشائعات. وهي خطوة لا تتعلق بتطوير أدوات الاتصال بقدر ما تفتح باباً أوسع للسؤال المؤلم: لماذا لم يعد الإعلام الرسمي والمستقل قادراً وحده على إقناع الناس والوصول إلى أفئدتهم وعقولهم؟
قوة الدول تُقاس بعافية إعلامها الذي يمثل خط الدفاع الأول عن وعيها الجمعي؛ ومن هذه الأرضية المهنية أكتب إليك، فالأوطان لا تُصان بالمهادنة، بل بالمواجهة الصادقة لخلل المشهد الإعلامي الذي بات واقعه يبعث على الأسى.
المشكلة ليست في وجود المؤثرين، فهم جزء طبيعي من المشهد الحديث، لكن الخلل يبدأ عندما تتخلى الدولة عن هيبة المصدر، وتتحول إلى باحث عن وسطاء يرممون صورتها. هنا لا تعود المعركة مع الشائعة معركة حقائق، بل معركة شعبية وانتشار، وكأن قوة الرسالة وهيبة الدولة باتتا تقاسان بعدد المتابعين ونسب المشاهدة، لا بوضوح المعلومة وسرعتها.
إن الفلسفة المقلوبة التي ترتكز عليها العقلية الرسمية في فتح خطوط التواصل مع الناشطين والمؤثرين كأدوات رديفة لإيصال الرسالة أو نفي الإشاعة، تضعنا أمام سؤال بديهي: عن أي رسالة وأي محتوى تتحدث يا معالي الوزير؟
من هو "المؤثر المنقذ"؟
لقد قدمت في رؤيتك سلة من الأدوات والخيارات لمواجهة الإشاعة وتفنيدها، وهنا يحق لنا أن نتساءل: ما مواصفات "المؤثر المنقذ" الذي ستوكل إليه الحكومة مهمة المساهمة في محاربة التضليل؟ هل تُقاس مؤهلاته بـ"الكاريزما الرقمية" والقدرة على حشد "اللايكات"؟ أم بمهارته في تركيب "الفلاتر" ، أم لمجرد قربه من مراكز النفوذ؟
والأخطر من ذلك، هو توجه العقل الرسمي لهذه المنصات الافتراضية؛ فالمؤثر ليس صحفياً ملتزماً بالمعايير المهنية ليتعامل مع الرواية الرسمية بجديتها وهيبتها، بل سيخضعها ـ حكماً ـ لقوالب "الإثارة الرقمية" بما يتوافق مع شروط الانتشار. ولعل في القضية الأخيرة المرتبطة بالترويج لإحدى عيادات التجميل دون تثبت، دليلاً واضحاً على خطورة الأستعانة ب"المؤثر الرقمي" الذي تملي مواقفه دائماً حسابات الربح والخسارة.
وهنا لا بد من الإشارة إلى فجوة أخرى لا تقل خطورة: أين موقع "الإعلام الخاص الموالي" في هذه المعادلة؟ ذلك الإعلام الذي يقترب أحياناً من صنع القرار إلى درجة يفقد معها قدرته على النقد أو حتى على التغطية المتوازنة. هذا الإعلام، بدلاً من أن يكون رافعة للدولة، يتحول إلى أداة للتبرير تعمق أزمة الثقة، لأنه لا يُقرأ كإعلام مستقل، بل كامتداد ناعم للسلطة.
فالمشهد الإعلامي الأردني يعاني اليوم من ثلاث مشكلات متراكبة: إعلام رسمي جامد، وإعلام خاص موالٍ غير موضوعي، وفراغ مهني تملؤه حسابات المؤثرين. وهذا المزيج وصفة أكيدة لتآكل المصداقية.
إن الهروب نحو منصات المؤثرين ليس حلاً، بل اعتراف ضمني بالعجز عن صناعة إعلام دولة حقيقي. فالأزمة لا تكمن في ضعف الإمكانيات، بل في غياب الاستقلالية، ومصادرة قرار المؤسسات تحت وطأة التداخلات والإملاءات الفوقية التي حولت الإعلام إلى أداة للتبرير والدفاع عن الأشخاص والمواقع.
ولعل ما عمق الأزمة أكثر أن الإعلام نفسه أصبح جزءاً من حالة الاستقطاب والتجاذب؛ فحالة التخندق انعكست مباشرة على الخطاب الإعلامي، وأفقدته قدرته على بناء رواية وطنية متماسكة. وبين تضارب المراكز وضياع البوصلة، بات المشهد يعيش حالة مزمنة من عدم اليقين حول السياسة العامة الناظمة له. فمنذ سنوات، ونحن نتنقل بين إلغاء وزارة الإعلام، واستحداث وزارة للاتصال الحكومي، والحديث عن هيئات بديلة، دون مشروع واضح المعالم والصلاحيات، مما ترك المؤسسات تعمل في مساحة رمادية وأدخل المشهد في حالة ارتباك مؤسسي مستدام.
وفي ظل هذا الارتباك، دفعنا الثمن الأكبر في جمود المحتوى؛ إذ عجز خطابنا الإعلامي عن مواكبة التحولات الكبرى في طبيعة الجمهور وأنماط التلقي الحديثة. كما فتحت هذه البيئة المجال أمام إدارات، بعضها غير مؤهل، تفتقر إلى الخبرة المهنية القادرة على إدارة الأزمات وصناعة الرواية الإعلامية؛ إدارات ارتبكت أمام التدفق الرقمي، واكتفت بانتظار "الضوء الأخضر" قبل نشر أي معلومة، فخسرت الشارع ومساحات التأثير.
معالي الوزير،
إن ما ورد في تعقيبك اللاحق عبر منصة "إكس"، إلى أن "معظم الانتقادات والمداخلات جاءت من زملاء إعلاميين مؤثرين عبر حساباتهم الشخصية، لا من خلال المؤسسات الإعلامية"، يحمل في مضمونه الإدانة الأوضح للمشهد كله.
فأن يمارس الصحفيون النقد عبر بواباتهم الشخصية، ويلجأ معاليك شخصياً إلى ذات الفضاء الافتراضي للدفاع عن هيبة الإعلام، هو إعلان صريح بعجز المنابر الرسمية عن إدارة الحوار والنقاش العام. لقد تحولت المؤسسات الرسمية إلى قوالب جامدة ومفرغة من الصلاحيات، مما اضطر الجميع إلى هجرة القنوات المؤسسية نحو منصات رقمية تملكها شركات عابرة للقارات، ليتحول الخطاب العام إلى سجالات افتراضية تطارد التفاعل اليومي.
لقد تحدثت عن أهمية تمكين الإعلام المهني وشبكة الناطقين الإعلاميين، لكن هذا الخطاب الكلاسيكي بات يتكرر دون أثر حقيقي.
عن أي تمكين نتحدث والمضمون غارق في الجمود، والمؤسسات تُفرغ من طاقتها؟ وعن أي شبكة ناطقين يجري التعويل عليها، فيما نتساءل مع كل أزمة: كم ناطقاً إعلامياً يملك الجرأة أو الصلاحية للخروج إلى الناس في الوقت المناسب؟
لقد تحولت "شبكة الناطقين" ـ في غالبها ـ إلى شبكة للصمت والانتظار، بينما أصبح تأخير المعلومة، ووضعها في حجر صحي مبالغ فيه، الوقود الحقيقي للإشاعات الرقمية.
إن تكرار وصف الداء دون تقديم دواء هو استمرار للعبة "تسليك الأزمة". ولذلك، وبعيداً عن العموميات، يبرز سؤال :لماذا لا تُعتمد مسابقة عامة وشفافة لاختيار القيادات الإعلامية ؟ مسابقة تقوم على اختبارات حقيقية في الإعلام وإدارة الأزمات والنزاهة المهنية، وتعلن نتائجها بوضوح. فالمشهد لن يتغير ما دامت المناصب الإعلامية الحساسة تُوزع بمعيار الثقة والولاء التقليدي، لا الكفاءة والاستحقاق والولاء للوطن.
إن الحديث عن التمكين لا يستقيم مع إدارات مخنوقة الصلاحيات، ولا يُترجم عبر بيانات متأخرة أو تغريدات توضيح. فالدمج الذكي للأدوات لا يعني مساواة الصحافة الرصينة بمنطق اللايكات وتجار المحتوى، كما أن مواجهة الإشاعة لا تحتاج إلى فزعات رقمية، بل إلى معلومة حرة قادرة على الوصول السريع والواضح، وإلى محتوى يواكب روح العصر وطبيعة المتلقي.
الإعلام الرسمي والمستقل يفترض أن يكون الأسرع والأوضح والأكثر قدرة على الوصول إلى الناس دون الحاجة إلى وجوه داعمة تمنح روايته المصداقية. لأن الحقيقة، عندما تكون قوية، لا تحتاج إلى مؤثر يجملها بـ"فلتر"، بل إلى مؤسسة تُدار بالكفاءة والاستحقاق، وتمتلك الشفافية والشجاعة لتقولها كاملة وفي وقتها.
فالخطورة الحقيقية ليست في الشائعة نفسها، بل في الفراغ الذي يسبقها. فعندما يتأخر التوضيح، وتُكبل الاستقلالية، وتغيب الإجابات، يصبح الناس أكثر استعداداً لتصديق أي رواية بديلة، لا لأن الشائعة مقنعة، بل لأن الحقيقة غائبة أو متلعثمة خلف كواليس التردد والبيروقراطية الرسمية.
إن استعادة ثقة الناس لا تبدأ من حملات المؤثرين، بل من تحرير الإعلام الرسمي والمستقل من تداخلات الوصاية والتجاذبات، وإسناد القيادة إلى إدارات مؤهلة تمتلك الشرعية المهنية والجرأة على المصارحة؛ ليعود إعلام دولة يفرض هيبته على المسؤول قبل الشارع، ويقدم المعلومة قبل أن تُسربها الحسابات الصاخبة وتحولها إلى "ترند" مشوه، ويخاطب الناس بعقولهم لا بعقلية الدعاية والأطر التقليدية الضيقة.
فالمعركة لم تكن يوماً حول من يملك المنصة الأعلى صوتاً أو الحساب الأكثر متابعة، بل حول من يملك المعلومة الدقيقة، ويملك معها الاستقلالية والشجاعة السياسية لإعلانها دون وسيط أو كفيل.
وتفضلوا، معاليكم، بقبول فائق الاحترام