محمد حسن التل : الوزير وتحريف الكلام عن موضعه
لم يخطئ وزير الاتصال الحكومي الدكتور محمد المومني عندما ذكر أن أحد طرق تفنيد الإشاعات الاعتماد على المؤثرين على مواقع التواصل الإجتماعي وتزويدهم أحيانًا بالمعلومة الصحيحة وذلك لما يتمتع به بعضهم من ثقة لدى شريحة واسعة من الجمهور، فهذا التصريح لا يعني أنه انتقاص من أهمية مختلف وسائل الإعلام التي أكد الوزير أيضًا أنها تؤدي دورًا بارزًا وعميقًا في هذا الصدد.
وعلى ذكر المؤثرين، فمن المؤكد أن الرجل لم يكن يقصد أولئك الذين يعتمدون على إثارة السخرية أو تقديم محتوى سطحي وسخيف، بل كان يقصد الفئة التي تشارك في توجيه الرأي العام بأسلوب محترم، وبمعلومة واضحة وصريحة، وتطرح عادة قضايا ذات قيمة ومضمون ، كما أن الوزير بادر سريعًا إلى توضيح ما كان يقصده، رغم إدراكه أن كلامه جرى اجتزاؤه، وقصة الاجتزاء هذه أصبحت للأسف عادة لدى كثيرين، بهدف تحريف الكلام عن موضعه، أو إيجاد مبررات لمهاجمة مسؤول أو مؤسسة.
لقد آن الأوان للاعتراف بأهمية الإعلام الرقمي بكل عناصره وأدواته، بعدما فرض نفسه بقوة على حياة الناس، رسميين وغير رسميين، وأصبحت الرسائل التي تُبث عبره تصل إلى الجمهور بسرعة وتأثير كبيرين ، كما يجب الاعتراف بوجود مؤثرين ضمن هذا الفضاء الإعلامي يمتلكون أثرًا إيجابيًا واضحًا في المجتمع ولديهم جمهور يتابعهم ويثق بما يقدمونه ، ولو أن البعض قرأ أو سمع حديث الوزير كاملًا بنية صافية لما ذهب إلى هذا الكم من الانتقادات، خصوصًا أن معظم المنتقدين يدركون أن الكلام جرى اجتزاؤه من إطاره العام.
فوزير الاتصال الحكومي تحدث عن الإعلام الرقمي بوصفه أحد أدوات مواجهة الإشاعة كما تحدث عن بقية وسائل الإعلام التقليدية، ولم يضع طرفًا في مواجهة طرف آخر ، والملاحظة الأهم أن بعض المشاركين في المؤتمر المهم الذي انعقد تحت عنوان «تواصل» برعاية سمو ولي العهد، لم يخرجوا منه إلا بهذه الجزئية متجاهلين بقية المضامين المتعلقة بتطوير الخطاب الإعلامي وتعزيز التواصل مع الجمهور ، وهذا مؤشر على أننا ما زلنا بعيدين أحيانًا عن الموضوعية في طرح الأفكار واتخاذ المواقف، وأن بعض الرسائل لا تزال تحكمها الحسابات الشخصية أكثر من مراعاة المصلحة الوطنية.
الإشارة إلى المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي لم تتجاوز حقيقة وجوب مواكبة التحولات التي يشهدها الإعلام عالميًا وليس في الأردن فقط، فالعالم كله بات يتعامل مع المنصات الرقمية بوصفها واقعًا لا يمكن تجاهله وأداة مؤثرة في تشكيل الرأي العام ونقل المعلومة، فحتى المؤسسات الإعلامية الكبرى أصبحت تعتمد على حضورها الرقمي بشكل أساسي وتسعى للوصول إلى الجمهور عبر مختلف المنصات الحديثة.
ومن المهم هنا أن نذكر بما جاء في كتاب التكليف السامي للدكتور جعفر حسان رئيس الوزراء "بضرورة الاهتمام بالتحول إلى الإعلام الرقمي في قطاع الإعلام، فإن الثورة التكنولوجية بالعالم تستوجب مواكبتها والعمل على تشجيع وسائل الإعلام على تطوير أدواتها للتحول الرقمي"
النقاش الذي أثير حول حديث الوزير يكشف حاجة ملحّة لإعادة تعريف مفهوم التأثير الإعلامي في زمن التحولات الرقمية فالقضية كما يقال لم تعد مرتبطة بشكل الوسيلة بقدر ارتباطها بقدرتها على الوصول والتأثير وصناعة التفاعل ، "الإعلام" في جوهره يقوم على إيصال الرسالة الصحيحة إلى الجمهور بأسرع الطرق وأكثرها فاعلية وهذه حقيقة لم تعد قابلة للإنكار في عصر أصبحت فيه الهواتف المحمولة المنصة الأولى لتلقي الأخبار "والمعلومات".
لقد أثبتت التجارب الحديثة أن الحكومات والمؤسسات الكبرى في العالم لم تعد تتعامل مع المؤثرين باعتبارهم حالة طارئة أو هامشية، بل بوصفهم جزءًا من منظومة الاتصال الجديدة، خصوصًا أولئك الذين يمتلكون خطابًا متزنًا وقاعدة جماهيرية واعية، فالمؤثر القادر على مخاطبة الشباب بلغة يفهمونها وإيصال المعلومة بطريقة مباشرة قد ينجح في أغلب الأحيان في تبديد إشاعة خلال ساعات في وقت تعجز فيه البيانات الرسمية التقليدية عن الوصول بالسرعة ذاتها ، ومن غير المنطقي أيضًا أن يبقى البعض أسير نظرة نمطية تختزل جميع المؤثرين في المحتوى السطحي أو الباحث عن الإثارة لأن الواقع أثبت وجود نماذج محترمة وواعية لعبت أدوارًا إيجابية في التوعية المجتمعية والدفاع عن القضايا الوطنية وأسهمت في تعزيز حالة الوعي العام ، ولذلك فإن حديث الوزير جاء منسجمًا مع واقع إعلامي جديد يفرض نفسه على الجميع، لا من باب المجاملة أو التقليل من شأن الإعلام التقليدي بل من باب قراءة المشهد كما هو بعيدًا عن المكابرة أو تجاهل الحقائق.
في المحصلة، فإن ما طرحه وزير الاتصال الحكومي الدكتور محمد المومني لا يستحق كل هذا التأويل لأنه تحدث بلغة واقعية تنسجم مع التحولات التي يشهدها العالم الإعلامي بأسره ، فالرجل لم ينتقص من قيمة الصحافة المهنية ولا من دور المؤسسات الإعلامية التقليدية بل حاول الإشارة إلى أن أدوات التأثير تعددت وأن الوصول إلى الجمهور بات يحتاج إلى وسائل متعددة وخطاب أكثر قربًا من الناس ، ومن يقرأ حديثه بموضوعية يدرك أنه كان يتحدث بعقلية دولة تسعى إلى حماية المجتمع من الإشاعة والمعلومة المضللة عبر الاستفادة من كل المنابر المؤثرة لا عبر الدخول في معارك بين الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي !!!