يعقوب ناصر الدين : الفكرة في الذكرى!
أحيا الأردنيون يوم الجمعة الماضي ذكرى النكبة الفلسطينية ضمن حالة من التضامن القوي مع الشعب الفلسطيني الذي ظل دمه ينزف على مدى ثمانية عقود في أكبر مظلمة شهدها العصر الحديث ، وما يزال ينزف في غزة والضفة الغربية، وفي القدس الشريف التي تتعرض مقدساتها الإسلامية والمسيحية للانتهاك والتدنيس ومحاولات التهويد، بينما ينشغل الجميع بواقع إقليمي مشتعل بحرب لا مخرج منها في أمد قريب على ما يبدو، حيث تتسع مساحة الدم والقتل والدمار لتشمل المنطقة بأكملها.
تأتي تلك الذكرى والأردن واقف على أرض الرباط لا يتزحزح عن موقفه الثابت في
دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وفي مقدمتها حقه في إقامة دولته
المستقلة على أرضه بعاصمتها القدس الشريف، متمسكا بالشرعية الدولية
المتمثلة في قرارات مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة،
والقانون الدولي الإنساني، ومرجعيات عملية السلام في الشرق الأوسط، وكلما
تزايد الاعتقاد بأن المعطيات الراهنة تجعل هذا الخيار مستحيلا كلما ازداد
الأردن تمسكا بموقفه الذي شرحه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين
بوضوح وبقدر من التحدي مفاده أنه من دون الاعتراف بالحقوق الفلسطينية فلن
تعرف منطقة الشرق الأوسط ولا إسرائيل نفسها معنى الأمن والاستقرار، وكذلك
السلام الذي يقوم على الحق والعدل وكرامة الإنسان وليس على العدوان وفرض
الأمر الواقع بالقوة الغاشمة!
رفعت الفعاليات الحزبية والسياسية والشعبية شعاراتها على أساس وحدة الموقف
والهدف بين القيادة والشعب، وكذلك وحدة الدم الذي سال على الأرض المباركة
فوق ضفتي النهر قبل وأثناء وبعد حرب عام 1948، وكل الحروب التي تلتها، ومنذ
ذلك الوقت وإلى يومنا هذا لم يتخل الأردن يوما عن نصرة ومؤازرة ومساعدة
الشعب الفلسطيني في كل الأزمات التي تعرض لها، ساعة بالمستشفيات الميدانية،
وأخرى بالمساعدات الطبية والغذائية وغيرها، ومن خلفه الأردنيون جميعا، تحت
قيادة مليكهم الذي لن ينسوا يوما أنه جازف بنفسه مرارا لإيصال تلك
المساعدات لأهل غزة المنكوبين، وفي ظروف معقدة وبالغة الخطورة.
أما القدس ومقدساتها وعلى رأسها الحرم القدسي الشريف – المسجد الأقصى وقبة
الصخرة المشرفة فهي بمثابة الروح من الجسد ترتقي لتعطي للوصاية معنى
الايمان المطلق بالحق والهجرة لله ورسوله الذي أُسري به إلى أولى القبلتين
وثالث الحرمين الشريفين، لتكمن القيمة الحقيقية في قدسية الموقف ونبله
وطهارته، وتظل الفكرة العميقة في أن القوة لله الواحد القهار.
اليوم يأخذ الصراع اتجاهات عديدة، وبالرغم من المخططات الظاهرة والباطنة
لمصير الشرق الأوسط بعلاقته بالمصالح الدولية سواء كانت على هيئة نزاعات أو
توافقات فإن الأردن بقيادة مليكه يدرك طبيعة تلك الصراعات، ويعرف موقعه
فيها، وموقفه منها، فيثبت أقدامه ويختار أولوياته، ويمضي نحو تحقيق غاياته
وهو أكثر صلابة لأن حساباته لا تحتمل الوهم أو الخطأ في الإدراك والتقدير
ووضوح الرؤية وسلامة التوجه!
نحن في العادة لا نستعيد الذكرى – أي ذكرى– من أجل الاحتفاء بها، أو البكاء
عليها وإنما نستعيدها لتكون حاضرة في مشهد العبرة والدرس، وفي قياس الخط
الواصل بين اللحظة التاريخية التي صنعتها الأحداث، واللحظة التي نصنعها نحن
اليوم في سبيل أن يظل الأردن عصيا على التحديات، قائما على الحق، ظهيرا
قويا للشعب الفلسطيني، أمينا على قضايا أمته وطموحاتها ومستقبل أجيالها،
وفيا لالتزاماته الإنسانية والأخلاقية، لا يحنث ولا يحيد! ــ الغد