فراس النعسان : الثقة لا تُشترى
قبل سنوات، كنت أراقب كيف يمكن لمنشور واحد على وسائل التواصل الاجتماعي أن يغيّر مزاج الناس خلال ساعات. إشاعة صغيرة، فيديو مجتزأ، أو تعليق غاضب من شخص يملك عدداً كبيراً من المتابعين، كان كفيلاً بإرباك الرأي العام أكثر من بيان رسمي كامل. يومها بدا المشهد وكأن المؤثرين انتزعوا من المؤسسات قدرتها على تشكيل الرواية، وأصبح الصوت الأعلى هو الصوت الأكثر تصديقاً.
لكن ما لاحظته لاحقاً أن هذه المعادلة لم تعد مستقرة كما كانت. الجمهور نفسه تغيّر. الناس الذين كانوا يصدقون كل ما يقال على الشاشات الصغيرة، أصبحوا أكثر شكاً، وأكثر ميلاً للسؤال: من يتحدث؟ ولماذا يتحدث؟ وهل ما يقوله موقف حقيقي أم إعلان مغلف بطريقة ذكية؟
مررت شخصياً بتجربة جعلتني أعيد التفكير بمعنى (التأثير). خلال إحدى القضايا التي أثارت جدلاً واسعاً، تابعت كيف خرج أكثر من مؤثر ليتحدث بثقة مطلقة عن معلومات تبين لاحقاً أنها غير دقيقة. المدهش أن بعضهم لم يتراجع، ولم يعتذر، بل انتقل ببساطة إلى موضوع جديد وكأن شيئاً لم يكن. هنا أدركت أن المشكلة ليست في وجود المؤثرين أنفسهم، بل في هشاشة المعايير التي تحكم جزءاً من هذا المجال.
المتابعون يمنحون الشهرة بسرعة، لكنهم لا يمنحون المصداقية بالسهولة نفسها. المصداقية تُبنى ببطء، وتُهدم بسرعة هائلة، خصوصاً عندما يدخل المال والمصالح والعلاقات التجارية في تشكيل المواقف والرسائل. ولهذا لم يعد عدد المتابعين دليلاً كافياً على النفوذ الحقيقي، لأن التأثير الذي يقوم على الانفعال اللحظي يختلف كثيراً عن التأثير الذي يقوم على الثقة المتراكمة.
المفارقة أن بعض المؤسسات الرسمية تعاملت مع هذا الواقع بطريقة مرتبكة؛ بدلاً من أن تعزز حضورها المباشر لدى الناس، حاولت أحياناً الاقتراب من الجمهور عبر أصوات أخرى أكثر انتشاراً. قد ينجح ذلك تكتيكياً في بعض اللحظات، لكنه لا يصنع تأثيراً طويل الأمد، لأن الثقة لا يمكن تفويضها بالكامل.
الحكومات لا تحتاج فقط إلى من يدافع عنها، بل إلى من يصدقها. وهذه نقطة مختلفة تماماً. المواطن لا يبحث دائماً عن خطاب مثالي، بل عن خطاب واضح وصادق وسريع. يريد أن يشعر أن المعلومة الرسمية تصل إليه بلا مواربة، وأن المؤسسات تتحدث معه باعتباره شريكاً في المعرفة، لا مجرد متلقٍ يجب تهدئته.
أعتقد أن أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه أي مؤسسة هو الاعتقاد أن إدارة الصورة أهم من بناء الحقيقة نفسها. الصورة قد تنجح مؤقتاً، لكن الحقيقة وحدها هي التي تصمد. وحين يشعر الناس أن الأداء جيد والخدمة حقيقية والشفافية موجودة، فإن الدولة تتحول تلقائياً إلى المرجعية الأكثر تأثيراً، حتى دون ضجيج إعلامي.
وسائل التواصل ستبقى مساحة مهمة ومؤثرة، والمؤثرون سيبقون جزءاً من المشهد العام، لكن تأثيرهم سيظل متقلباً ما لم يستند إلى قيمة حقيقية تتجاوز الإعلانات والاصطفافات والمصالح العابرة. أما التأثير الرسمي المستدام، فلا يصنعه (الترند)، بل تصنعه الثقة اليومية التي تتراكم بهدوء داخل وعي الناس.