عماد عبد الرحمن : كيف تعامل الأردن مع اخطر حروب المنطقة؟
بعد أن توقفت الحرب لإسبوعين، بعد مواجهة مُنهِكة للأطراف، تنخرط أوساط المراكز المتخصصة والمحللين الإستراتيجيين والدراسات العسكرية بتحليل نتائج "حرب إيران" فلكل دولة حساباتها ومكتسباتها والدروس والعبر المُستخلصة.
الأردن، الذي كان أمام معادلة دقيقة للغاية، كونه في عين العاصفة بحكم موقعه الجيوسياسي الحساس الذي فرض عليه واحدة من أكثر المعادلات تعقيداً منذ بداية الألفية، ثمة إستخلاصات وعبر وتقييمات تستحق التوقف عندها، فمن جهة، كان هاجسه المحافظة على أمنه وإستقراره، سيما وأن معظم الصواريخ كانت تمر من فوق مدنه وقراه، وكانت الصواريخ الإنشطارية المتجهة الى الأهداف في الداخل المحتل، تتشظى أمام أعين الأردنيين، وأصوات الإنفجارات في القدس والشمال تسمع في المدن الأردنية، ومن جهة أخرى، السؤال عن كيفية المحافظة على إستقرار الأوضاع الإقتصادية التي تعتبر مسألة جوهرية في منطقة ساخنة تشهد كل عام أو عامين إنطلاقة حرب جديدة تضغط بشكل مباشر على إقتصاده بسبب إرتفاع اسعار النفط وبالتالي زيادة فاتورته النفطية.
الدور السياسي للأردن كان علامة فارقة في هذه الحرب المدمرة، فقامت المقاربة السياسية الأردنية على سياسة ثابتة عنوانها "إدارة المخاطر لا مجاراتها"، فالأردن الذي يدرك طبيعة موقعه الجغرافي بين بؤر التوتر في العراق وسوريا وفلسطين، يدرك أن أي إنزلاق غير محسوب قد يضعه في قلب المواجهة، وهو ما سعى لتجنبه بكل الوسائل، وتجلى الدور الأردني الأمني بالأساس كحالة إستنفار محسوب، لمنع إنتقال تداعيات الحرب الى الداخل، فالتحديات لم تكن تقليدية، لأنها شملت تهديدات عابرة للحدود مثل الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، إضافة الى إحتمالات تنامي نشاط الجماعات المتشددة وسط بيئة إقليمية مضطربة، من هنا، برز التركيز على تحصين الحدود وتعزيز الجاهزية دون الإنجرار الى خطاب تصعيدي.
أما على المستوى الدبلوماسي فيقدم الأردن نفسه إنموذجاً في التوازن والإعتدال كصوت عقلاني يدفع دائماً نحو التهدئة، خصوصاً أنه يمتلك خبرة طويلة في إدارة الأزمات والتعامل مع تحدياتها، حيث تتحرك بإتجاهين متوازيين من خلال الإتصال مع الشركاء الدوليين للتأكيد على ضرورة وقف التصعيد، والحفاظ على قنوات الإتصال مع مختلف الأطراف بما يتيح له لعب دور وسيط أو مسهّل اذا ما توفرت الفرص للحل السياسي.
في البعد الإقتصادي، كأحد أبرز التحديات الملحة للأردن، ونظرا لكونه يستورد معظم إحتياجاته من النفط ومشتقاته من الخارج، يتأثر الأردن مباشرة بأي إضطراب في أسواق النفط خاصة مع التهديدات المرتبطة بمضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، خاصة مع التهديدات التي رافقت الحرب، اضافة الى ارتفاع كلف النقل والتأمين وتذبذب الاسواق العالمية، من هنا وجد الإقتصاد الأردني نفسه أمام ضغوط إضافية، تتطلب إدارة دقيقة للموارد والسياسات المالية.
ومن أبرز نتائج هذه الأزمة، التغير الحاصل في موازين القوى وخلخلة لوضع القوى التقليدي الموجود منذ عقود، مع تراجع دور بعض الفاعلين الدوليين على فرض حلول سريعة، مقابل صعود بروز إستراتيجية الإستنزاف طويل الأمد، وهو ما يقلل من قدرة المحركات التقليدية على التأثير في ظل هذه الواقع الجديد، بالتالي يجبر الدول المتوزانة إنتهاج سياسات دقيقة ومحسوبة بشدة تقوم على اساس التوازن بين المبادئ والمصالح.
الأردن، يضع في اعتباره مع كل أزمة إقليمية، عامل الإستقرار الداخلي الذي يمثل خط الدفاع الأول بالنسبة له، حيث تتزايد الضغوط الإجتماعية والإقتصادية، ما يدفع صانع القرار لإتخاذ خطوات لتعزيز الجبهة الداخلية ، سواء من خلال سياسات إقتصادية تخفف الأعباء على المواطنين، أو من خلال خطاب إعلامي مسؤول يوازن بين نقل الحقائق وتجنب إثارة القلق، وهو ما ينجح فيه عادة، رغم الأعباء الإقتصادية التي تترتب عليه ضمن هذه الظروف.
ووسط هذه التناقضات، لا يسعى الأردن الى لعب دور صاخب بل الى دور ذكي وهادئ، يقوم على تقليل الخسائر وتعظيم فرص الاستقرار، فالنجاة من مثل هذه الازمات لا تكون بالانخراط، بل بالقدرة على حفظ المكتسبات والاستقرار، والبقاء خارج دائرة الحروب، مع الاحتفاظ بإمكانية التأثير حين تتوفر الفرص للحلول الدبلوماسية للأزمات.
بالمحصلة،
يواصل الأردن السير على خيط رفيع بين الجغرافيا والسياسة، مدركا ان نجاحه
لا يقاس بحجم حضوره في الحرب،بل بقدرته على تجنيب نفسه تداعياتها
وتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة، وبالتالي الاحتفاظ بموقعه كركيزة
استقرار في منطقة لا تعرف الهدوء بحكم وجود حكومة متطرفة في اسرائيل لا
تؤمن بالسلام، وتعتاش على الازمات والحروب لإطالة عمرها للبقاء في الحكم
أطول وقت ممكن. ــ الراي