اسماعيل الشريف : انتقام بوتين
«من أعماق الجحيم أطعنك، ومن أجل الحقد أبصق آخر أنفاسي عليك» من رواية موبي ديك.
على مدى سنوات، قدّمت الولايات المتحدة وحلفاؤها دعمًا علنيًا كبيرا لأوكرانيا في حربها ضد روسيا؛ إذ أغدقوا عليها مليارات الدولارات، وزوّدوها بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية، وفرضوا في المقابل عقوبات قاسية على موسكو، ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل امتد ليشمل تدمير البنى التحتية، وإغراق السفن، واستهداف كبار الجنرالات الروس. وكان الهدف واضحًا: استخدام أوكرانيا في حربٍ بالوكالة لإضعاف روسيا واستنزافها.
غير أن المشهد قد انقلب رأسًا على عقب؛ إذ تبادل الغرب وروسيا الأدوار. ففي الوقت الذي انخرط فيه الكيان والولايات المتحدة في حربٍ واسعة ضد إيران، وظف بوتين طهران في مواجهةٍ غير مباشرة مع واشنطن من خلف الستار؛ فمدّها بالمعلومات العسكرية، وغذاها بتكتيكاتٍ متقدمة، وعزز حملات الدعاية المناهضة للولايات المتحدة.
مع اندلاع هذه المواجهة، رأى بوتين فيها فرصةً ثمينةً لتصفية الحسابات، وقد عبّر القادة الأوروبيون عن استيائهم من الدعم الروسي، فجاء الردّ سريعًا وحاسمًا: «أوكرانيا مقابل إيران».
وقد أقرّ الرئيس ترامب بذاك حين سُئل عمّا إذا كانت موسكو تدعم طهران، فأجاب: «هم يفعلون ذلك، ونحن نفعل ذلك». بل إن مسؤولين روسًا عرضوا على واشنطن وقف دعم إيران مقابل وقف دعم أوكرانيا، غير أن إدارة ترامب رفضت ذلك.
وتكشف تقارير عن تفاصيل هذا الدعم؛ إذ يشمل تزويد إيران بمعلومات أقمار صناعية آنية وبيانات دقيقة عن الأهداف، عبر أقمار تابعة للقوات الجوية الروسية (VKS)، تُستخدم لالتقاط صور عالية الدقة للقواعد العسكرية ومشاركتها مع طهران. وقد أكد الرئيس الأوكراني زيلينسكي ذلك وقال إن هذه المعلومات تُستخدم لمساعدة إيران في استهداف الأصول الأمريكية والصهيونية.
كانت إيران قد دعمت روسيا في بداية حربها مع أوكرانيا بطائرة «شاهد» المُسيّرة ومنحتها مخططات تصنيعها، لتعود موسكو اليوم فتردّ الجميل بنقل خبراتها الميدانية، بما في ذلك التعديلات على التصاميم الأصلية، وإرشادات الاستخدام المثلى. ويرى خبراء أن إيران تتبنى النهج الروسي ذاته: أسراب كثيفة من الطائرات المُسيّرة الرخيصة لإرباك الدفاعات، تتبعها ضربات صاروخية دقيقة تستهدف الرادارات ومراكز القيادة والسيطرة.
كما توظّف روسيا الذكاء الاصطناعي لإنتاج فيديوهات مضللة تُظهر تفوقًا إيرانيًا، فيما تتكفل وسائل إعلامها الرسمية، بتضخيمها ونشرها على نطاق واسع.
وهدف بوتين هو استنزاف الولايات المتحدة وتشتيت تركيزها بعيدًا عن أوكرانيا، وقد نجح إلى حدٍ كبير؛ إذ تراجع انخراط واشنطن في الساحة الأوكرانية، واضطرت إلى استهلاك مواردها العسكرية بوتيرة متسارعة، فقامت مثلا بإعادة توجيه منظومات «باتريوت» من أوروبا إلى الخليج، رغم كلفتها المرتفعة وبطء إنتاجها، حيث لا يتجاوز إنتاج الولايات المتحدة 60 إلى 65 صاروخًا شهريًا وفق زيلينسكي.
ولم يتوقف نجاح بوتين في المعركة، بل امتد إلى أسواق الطاقة، فارتفعت أسعار النفط، واضطرت واشنطن إلى تخفيفٍ مؤقتٍ لعقوباتها على النفط الروسي؛ ما أتاح لموسكو تحقيق عوائد بمليارات الدولارات.
وهكذا، ومن دون أن يرسل جنديًا واحدًا أو يطلق طلقة واحدة، استخدم بوتين إيران أداةً للانتقام من الولايات المتحدة؛ فكما سعت واشنطن إلى إضعاف روسيا عبر أوكرانيا، يوظّف بوتين إيران لإضعاف الولايات المتحدة، ولعل دعمه قد ساهم في الوصول إلى وقف إطلاق النار. ــ الدستور