الأخبار

حسام عايش : الأردن.. كنموذج لإدارة الأزمــــــات

حسام عايش : الأردن.. كنموذج لإدارة الأزمــــــات
أخبارنا :  

في المنعطفات الصعبة، تختبر قوة الاقتصادات بمرونتها وصمودها واتزانها، لا بحجم نموها فحسب، حيث تبرز الحالة الأردنية كنموذج عملي لكيفية التعامل مع الأزمات بأداء اقتصادي مطمئن، وبقرارات متسقة مع الاحتياجات الفعلية.

فالأردن، الذي وجد نفسه في قلب حرب إقليمية بنكهة عالمية دون سابق إنذار، وتأثر بتداعياتها عبر اضطراب سلاسل الإمداد، وانقطاع إمدادات الغاز، وارتفاع أسعار النفط إلى نحو 60 %، إلا أن استجابته لتداعياتها جاءت متدرجة ومنضبطة، ومستندة إلى تحوطات استراتيجية في الطاقة والغذاء، وخبرة تراكمية في إدارة الأزمات من جائحة كورونا، إلى الحرب الروسية الأوكرانية، إلى الحرب على غزة، إلى حرب إيران الأولى، وصولا إلى حرب إيران الثانية.

قبل اندلاع الحرب الأخيرة، كان الاقتصاد الأردني يسير في اتجاه تصاعدي، حيث سجل الناتج المحلي نموا عند 3 % في الربع الأخير من 2025، وهو نمو عكس حالة استقرار نسبي، وتعافٍ تدريجي.

هذا التعافي، يعبر بحد ذاته وفي مضمونه عن مرونة اقتصادية ولدت ثقة مكنت صاحب القرار من التعامل مع المستجدات من موقع قوة لا من موقع رد الفعل، فلم نشهد قرارات متسرعة غير متسقة، أو ارتباكا في الأداء، بل جاءت الاستجابة منسجمة مع طبيعة المرحلة، حيث الأهمية لاحتواء التداعيات، ومن ثم مواجهة الضغوط الناجمة عنها، ووصولا للتعامل مع حالة الطوارئ التي يمكن أن تنجم عنها.

في السياق، جاء قرار البنك المركزي، بإتاحة سيولة إضافية بنحو 760 مليون دينار في توقيت مناسب، فهو راهن على إمكانيات الفاعلين الاقتصاديين أولا، ومن ثم زاد عرض السيولة المتاحة لمنع أي انقطاع في استمرار العملية التجارية الاستيرادية الغذائية السياحية، أي كإجراء وقائي عملي لإدامة النشاط الاقتصادي، وضمان استمرارية التمويل دون انقطاع؛ ما عكس إدراكا لتوقيت التدخل وحجمه.

إجراءات المركزي هذه، جاءت متزامنة مع قرارات حكومية لامست البعد الاجتماعي، من خلال تعويض الذين تضررت منازلهم/ محالهم التجارية/ مركباتهم بسقوط الصواريخ والمسيرات عليها، ولامست البعد الطاقي وأمن الطاقة، بإعفائها مستوردات المصفاة من زيت الوقود المباعة لشركة الكهرباء من جميع الضرائب والرسوم، لتعزيز المخزون الاستراتيجي وخفض كلفه؛ ما جسد شكلا من الجمع بين حماية المواطن وحماية الوطن.

في المقابل، ظهر التعامل مع القطاعات الحساسة كالقطاع السياحي باعتباره الأكثر هشاشة أمام الأزمات حيث سرعة التأثر، وسرعة التعافي أيضا؛ ما يعني ضرورة التوازن بين الحماية والاستمرارية؛ عبر تقليل الخسائر قصيرة المدى للحفاظ على قدرته على التعافي السريع عند تحسن الأحوال، حيث الحاجة لاستخلاص العبر وفي مقدمتها اعتبار السائح الأردني السائح الاستراتيجي الأول، والتعامل معه بهذه الصفة.

في العمق، تكشف تجربة الاستجابة الأردنية، أن الفارق في إدارة الأزمات لا يكمن في حجم التحدي بل في مستوى الجاهزية؛ فالتحوط في الطاقة والغذاء وبناء مخزونات استراتيجية، عوامل منحت صانع القرار مساحة للتحرك بهدوء وثقة.

لكن، ومع ذلك، لا يمكن اعتبار ما تحقق كافيا بحد ذاته، فما زالت هناك حاجة مستمرة لتحسين الأداء الاقتصادي من خلال رفع الإنتاجية، وتقليل الهدر، وخفض معدلات البطالة، وتحقيق نمو اقتصادي أكثر ارتباطا بفرص العمل، ورفع مستوى التكنولوجيا والرقمنة في المنتجات الوطنية، وزيادة تنويع الاقتصاد، وتنويع الأسواق تصديرا واستيرادا، كأولويات لتقليل المخاطر، وتعزيز الاستدامة.

وعليه، فإن ما ميز الأردن في ظروف الحرب، ليس غياب التحديات بل طريقة التعامل معها، أي أن الدرس الأول، ليس تجنب الأزمات-إن أمكن تجنبها فذلك أفضل- بل في كيفية إدارتها، وأن الدرس الثاني، الاستقرار لا يتحقق بالصدفة، بل يبنى على سياسات متراكمة، وقرارات مدروسة، وثقة تتعزز مع كل اختبار جديد.

ما نوده، أن تكون الاستجابة الواعية لإدارة تداعيات ومتطلبات الحرب منهجا مستداما قائما على قراءة موضوعية للواقع، وقرارات تتخذ على وقع الحاجة الفعلية، فالنتيجة تم اختبارها عمليا استقرارا في الأسواق، وانسجاما في الإجراءات، وثقة في الحكومة، وهذا كله يسعر عاليا اقتصاديا ولوجستيا واستثماريا وتصنيفا ائتمانيا.

مواضيع قد تهمك