الأخبار

د. رعد محمود التل : كلفة الحرب رغم التهدئة: ضغوط مستمرة على التنمية والاقتصادات

د. رعد محمود التل : كلفة الحرب رغم التهدئة: ضغوط مستمرة على التنمية والاقتصادات
أخبارنا :  

بعيداً عن المؤشرات التقليدية للنمو، تكشف بيانات التنمية البشرية والقطاعات الخدمية والمالية عن عمق التأثير طويل الأمد للحرب اقتصادياً، حتى في ظل الإعلان عن تهدئة تمتد لأسبوعين. هذه التهدئة قد تخفف من حدة التصعيد العسكري، لكنها لا تلغي الآثار الاقتصادية التي بدأت. التقديرات تشير إلى تراجع مؤشر التنمية البشرية في المنطقة بنسبة تتراوح بين 0.2% و0.4%، وهو ما يعادل خسارة تتراوح بين نصف سنة إلى سنة كاملة من التقدم التنموي، مع خسائر تصل في بعض دول الخليج إلى ما بين 1.2 و2 سنة، وفي دول المشرق بين 0.9 و1.5 سنة. هذه الأرقام تعني أن جزءاً من مكاسب التنمية قد تآكل بالفعل، حتى قبل أي تعافٍ محتمل.

هذا التفاوت الإقليمي يعكس طبيعة الصدمة، حيث تبقى الخسائر محدودة نسبياً في شمال أفريقيا، لكنها أكثر عمقاً في الدول التي ترتبط بشكل مباشر بالتجارة والطاقة أو التي تعاني هشاشة هيكلية. وفي الدول الأقل نمواً، حتى التراجع البسيط رقمياً يمثل ضربة كبيرة، لأن مستويات التنمية فيها أصلاً منخفضة، ما يجعل التعافي أكثر صعوبة. التهدئة هنا لا تعني استعادة فورية لمسار التنمية، بل مجرد وقف مؤقت للتدهور، بينما تبقى آثار الخسارة قائمة.

على صعيد المالية العامة، تواجه الحكومات ضغوطاً واضحة رغم التهدئة فقد أدت الحرب إلى تراجع الإيرادات في بعض الدول، خاصة مع اضطراب التجارة وارتفاع حالة عدم اليقين، في حين ارتفعت النفقات نتيجة الإنفاق الأمني والعسكري. ورغم أن أسعار النفط المرتفعة قد توفر دعماً جزئياً لبعض الدول، إلا أن الكلفة الإجمالية على الموازنات تميل إلى الارتفاع، ما يحد من قدرة الحكومات على التوسع في الإنفاق أو تقديم دعم واسع. التهدئة قد تخفف الضغوط جزئياً، لكنها لا تعيد الأوضاع المالية إلى ما كانت عليه قبل الأزمة.

في القطاع الصحي، تظهر آثار الحرب بشكل مباشر لا يمكن عكسه بسرعة. فقد تم تعطيل إمدادات طبية بقيمة 18 مليون دولار، مع شحنات إضافية بقيمة 8 ملايين دولار لم تصل، إلى جانب إغلاق 43 مركزاً صحياً ومستشفيين. حتى مع التهدئة، فإن إعادة تشغيل هذه المرافق واستعادة تدفق الإمدادات يحتاج إلى وقت، ما يعني استمرار الضغط على الأنظمة الصحية، خاصة في الدول ذات البنية التحتية المحدودة حسب تقرير برنامج الامم المتحدة الانمائي.

في قطاع التعليم، تتضح الكلفة طويلة الأمد بشكل أكبر. تحويل أكثر من 325 مدرسة إلى مراكز إيواء تستضيف نحو 12 ألف عائلة نازحة أدى إلى تعطيل العملية التعليمية، وهذا الأثر لا ينتهي بمجرد وقف القتال. ففقدان أسابيع أو أشهر من التعليم يترك فجوة في رأس المال البشري يصعب تعويضها، خصوصاً في البيئات التي تعاني أصلاً من ضعف في جودة التعليم. التهدئة قد تسمح بعودة تدريجية، لكنها لا تلغي الخسارة التي حدثت، حسب التقرير.

ولا يقل قطاع المياه حساسية، إذ يعتمد نحو 100 مليون شخص في دول الخليج على ما يقارب 400 محطة تحلية توفر نحو 40% من مياه التحلية عالمياً. أي اضطراب في هذه البنية، حتى لو كان مؤقتاً، يخلق مخاطر على الأمن المائي لا يمكن تجاهلها، والتهدئة لا تزيل هذه المخاطر بالكامل، بل تخفف من احتمالية تفاقمها فقط.

هذه المؤشرات تكشف أن التهدئة الحالية رغم أهميتها السياسية، لا تعني انتهاء الكلفة الاقتصادية للحرب. فالآثار التي طالت التنمية والخدمات والبنية الاقتصادية بدأت بالفعل، وستستمر لفترة حتى في حال توقف التصعيد. الاقتصاد لا يتعافى بنفس سرعة توقف العمليات العسكرية، بل يحتاج إلى وقت لإعادة بناء ما تضرر. لذلك، يمكن القول إن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة ما بعد الصدمة، حيث تبقى الكلفة الاقتصادية حاضرة، حتى في ظل الهدوء النسبي.

مواضيع قد تهمك