الأخبار

مصطفى الريالات يكتب : الأردن.. انتصار الصمود

مصطفى الريالات يكتب : الأردن.. انتصار الصمود
أخبارنا :  

في خضم مشهد إقليمي مضطرب تتسارع فيه التحولات العسكرية والسياسية، وبينما انشغلت العواصم الكبرى بمتابعة تداعيات المواجهة بين القوى المتصارعة في المنطقة، برز الأردن بوصفه نموذجا للدولة التي لم تكتفِ بمراقبة الأحداث، بل تعاملت معها باعتبارها اختبارا مباشرا لقدرتها على حماية أمنها الوطني وصون استقرارها الداخلي.

وفي لحظة إقليمية فارقة، أثبتت المملكة أن الصمود لم يعد مجرد شعار سياسي أو خطاب تعبوي، بل نهج دولة وممارسة مؤسسية تجلت عسكريا واقتصاديا واجتماعيا، لترسخ موقع الأردن كركيزة توازن واستقرار في محيط يموج بالاضطرابات.

في الحقيقة، لم يكن الأردن خلال الأزمة الأخيرة مجرد طرف يراقب الحرب من بعيد، بل وجد نفسه في قلب المشهد الأمني والإقليمي، بعدما تحولت أجواؤه إلى مسرح لعمليات دفاعية مكثفة فرضتها طبيعة التهديدات المتصاعدة.

وفي رسالة واضحة تعكس جاهزية الدولة ومؤسساتها العسكرية، أثبتت القوات المسلحة الأردنية قدرتها على حماية المجال الجوي للمملكة بكفاءة عالية، بعدما أعلنت عن تعرض الأردن لـ281 صاروخا وطائرة مسيّرة خلال خمسة أسابيع فقط، تمكنت الدفاعات الجوية من اعتراض وتدمير 261 منها، بنسبة نجاح بلغت نحو 93 بالمئة، في مؤشر واضح على الجاهزية العملياتية العالية وكفاءة منظومة الدفاع الوطني.

وعلى الصعيد الاقتصادي، ورغم حجم الضغوط التي فرضتها التطورات الإقليمية، أظهر الاقتصاد الأردني درجة ملحوظة من المرونة والقدرة على امتصاص الصدمات. فقد لجأت الحكومة إلى سلسلة من الإجراءات الاستباقية لإدارة المخاطر، شملت خططاً اقتصادية متدرجة هدفت إلى حماية الأسواق المحلية من الاضطراب، عبر تشديد الرقابة لمنع الاحتكار، وترشيد الإنفاق العام، إلى جانب الحفاظ على مخزون استراتيجي مريح من السلع الأساسية، وتأمين بدائل لتوليد الكهرباء تحسباً لأي انقطاع محتمل في إمدادات الطاقة؛ ما ساهم في تجنب اضطرابات السوق والحفاظ على استقرار الاحتياجات الأساسية للمواطنين.

كما برهنت قاعدة الإنتاج المحلي على دورها الحيوي في تعزيز مناعة الاقتصاد الوطني، بعدما تمكنت الصناعات الغذائية المحلية من تغطية نحو 65 بالمئة من احتياجات السوق، الأمر الذي وفر هامش أمان استراتيجيا قلل من الاعتماد على الخارج، وعزز قدرة الدولة على مواجهة التداعيات الاقتصادية للأزمات الطارئة.

أما اجتماعيا، فقد بدا المشهد الأردني الأكثر تعبيراً عن جوهر الصمود الوطني، إذ تجلت حالة من التلاحم الواضح بين الشعب والدولة، وبرزت وحدة الصف الداخلي كأحد أهم عناصر القوة الوطنية في مواجهة التحديات. فقد أظهرت الأزمة تماسكا مجتمعيا لافتا، عبّر عنه الأردنيون بمواقف داعمة لقيادتهم ومؤسساتهم العسكرية، وبإجماع وطني رافض لأي مساس بالسيادة الوطنية أو محاولة لزعزعة الاستقرار الداخلي.

وفي الوقت ذاته، أظهر المجتمع الأردني مستوى عاليا من الوعي والانضباط، متجنباً الانجرار نحو أي توترات داخلية أو استقطابات كان من شأنها أن تضعف الجبهة الداخلية، وهو ما يعكس نضجا مجتمعيا ساهم في إفشال أي محاولات لاستغلال الظروف الإقليمية بهدف تقويض الاستقرار الوطني.

وإذا ما أريد فهم طبيعة "الانتصار" الأردني في هذه المرحلة، فإن الأمر لا يقاس بمنطق الحروب التقليدية أو المكاسب العسكرية المباشرة، بل بمدى نجاح الدولة في تحقيق أهدافها الوطنية الأساسية. فالأردن لم يدخل في مواجهة هجومية، ولم يكن طرفا يسعى إلى فرض وقائع جديدة، بل تمحور موقفه حول حماية سيادته، والدفاع عن أمنه القومي، ومنع أي تهديد أو فرض واقع جديد على حدوده أو مجاله السيادي، وهو ما تحقق فعليا.

إلى جانب ذلك، عزز الأردن من حضوره الإقليمي خلال الأزمة بوصفه عنصر استقرار لا غنى عنه في منطقة تتآكل فيها ركائز التوازن يوماً بعد يوم. فقد أثبتت المملكة قدرتها على امتصاص الصدمات العسكرية والاقتصادية والاجتماعية بكفاءة، بما رسخ صورتها كدولة تمتلك مناعة داخلية ومؤسسات قادرة على إدارة الأزمات، وجعل منها حائط صد إقليمياً في وجه الفوضى والاضطرابات.

بقي أن نقول إن الأردن أثبت مرة أخرى أن الصمود بالنسبة له ليس ظرفا عابرا تفرضه الأزمات، ولا مجرد استجابة مؤقتة للتحديات، بل هو نهج راسخ في بنية الدولة ومؤسساتها ومجتمعها. وفي زمن تتساقط فيه كثير من المعادلات تحت وطأة الفوضى، نجحت المملكة في تحويل التحدي إلى فرصة لإعادة تأكيد حضورها السياسي والأمني، وترسيخ مكانتها كدولة قادرة على حماية مصالحها الوطنية وصيانة استقرارها في أكثر البيئات الإقليمية تعقيدا. فحين يختبر الوطن بالعواصف، لا يكون الانتصار دائما في خوض المعارك، بل أحيانا في القدرة على الصمود أمامها والخروج منها أكثر قوة وثباتا.

ــ الدستور

مواضيع قد تهمك