الأخبار

لما جمال العبسة : هدنة الأسبوعين.. استراحة قصيرة أم فخ إستراتيجي؟

لما جمال العبسة : هدنة الأسبوعين.. استراحة قصيرة أم فخ إستراتيجي؟
أخبارنا :  

لم تكن الهدنة التي أُعلنت بين امريكا وإيران فجر أمس سوى محطة مؤقتة في حربٍ تتجاوز حدود الميدان العسكري إلى عمق السياسة الدولية والاقتصاد العالمي، فهي مشروطة بخضوع كل طرف الى الاخر احيانا بشكل فج يتجاوز المنطق، حتى ان مدة الاسبوعين كانت اعجب من تغيير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال سويعات وتغيير مسار الضربة العسكرية المؤلمة لإيران لفترة هدنة يصل خلاله الطرفان الى اتفاق.

التاريخ يخبرنا أن التفاوض مع إيران ليس مسألة أسابيع بل سنوات، وهذا ما حدث في الاتفاق النووي في العام 2015 الذي استغرق أكثر من سنتين ونصف في ظروف سلمية، فما بالك في أجواء حرب مشتعلة؟، هذا الواقع يجعل من الصعب تصور اختراق سريع أو اتفاق دائم خلال أسبوعين، ويضع الإدارة الأمريكية المتذبذبة في ارائها أمام اختبار حاسم قد يحدد مستقبل الصراع بأسره.

جاءت الهدنة الحالية كمنفذ اضطراري أكثر منها إنجازاً استراتيجياً، إذ فرضت الضغوط الداخلية والخارجية على ترامب التراجع عن خطاب التصعيد والتهديدات القصوى، لكن جذور الحرب لم تُعالج، فهي بدأت بقرار أمريكي–صهيوني مشترك، ما يجعل أي اتفاق هشّاً وقابلاً للانهيار إذا قررت تل أبيب المضي في عملياتها العسكرية بمعزل عن واشنطن، فدولة الكيان الصهيوني التي اعتادت استغلال ارتباك القرار السياسي والعسكري الأمريكي، قد ترى في هذه الهدنة فرصة لتوسيع نفوذها أو اختبار حدودها، وهو ما يضع الاتفاق أمام تحديات إضافية.

خلال فترة الاسبوعين المقبلين يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية، اولها أن تتحول الهدنة إلى فرصة تفاوضية حقيقية، حيث تُبنى على أساس خطة النقاط العشر التي قدمتها طهران، وتُفتح قنوات تفاوض في العاصمة الباكستانية إسلام آباد أو غيرها، لكن هذا السيناريو يتطلب تنازلات أمريكية جوهرية، مثل قبول التنسيق الإيراني في المضيق أو تخفيف العقوبات، وهو أمر يصعب على ترامب تقديمه دون خسائر سياسية داخلية، خاصة إذا قررت تل ابيب خرق الاتفاق.

اما السيناريو الثاني، أن تنهار الهدنة سريعاً مع استمرار الهجمات المتفرقة أو فشل المفاوضات، مما يعيد التصعيد العسكري إلى الواجهة، وفي هذه الحالة قد تجد واشنطن نفسها أمام وضع أسوأ مما كان قبل الحرب، إذ تكون إيران قد عززت موقعها في المضيق وأثبتت قدرتها على الصمود، بينما تتعرض واشنطن لضغوط اقتصادية وسياسية متزايدة، وتستغل تل ابيب هذا الانهيار لتبرير عودتها للحرب.

والثالث، أن تستمر الهدنة كأداة تكتيكية لتأجيل الانفجار، بحيث تُمدد أسبوعاً بعد آخر دون حلول جذرية، وهذا السيناريو يترك الباب مفتوحاً أمام مفاوضات طويلة الأمد، لكنه يرسّخ حالة عدم اليقين ويُبقي الأسواق العالمية رهينة التوتر، مع بقاء احتمال الخرق الصهيوني قائماً في أي لحظة.

المعضلة الكبرى تكمن في أن ترامب، إذا لم يحقق اختراقاً في ملف اليورانيوم المخصب أو البرنامج الصاروخي الإيراني، سيكون قد أنفق كلفة حرب باهظة ليخرج بنتائج أقل مما حققته دبلوماسية باراك أوباما في ظروف سلمية، وهذا ما يزيد من احتمالات أن يُنظر إلى هذه الحرب باعتبارها مغامرة غير محسوبة.

هذه الهدنة ليست نهاية الحرب، بل استراحة قصيرة في مسار طويل ومعقد، وإذا لم تُترجم إلى اتفاق دائم يعالج جذور الصراع، فإنها قد تنتهي بوضع أسوأ مما كان، سواء على مستوى أمن الملاحة في مضيق هرمز أو على صعيد الاستقرار الإقليمي والدولي، وما بعد الاسبوعين سيكشف إن كانت هذه الهدنة مجرد تأجيل لانفجار أكبر، أم بداية مسار تفاوضي جديد، لكن المؤكد أن الطريق إلى تسوية شاملة لا يزال مليئاً بالعقبات. ــ الدستور

مواضيع قد تهمك