الأخبار

بشار جرار : عبور الحلال!

بشار جرار : عبور الحلال!
أخبارنا :  

على أمل عبور المفاوضات الأمريكية الإيرانية -عبر مضيق هرمز- هدنة الأسبوعين إلى اتفاق دائم للسلام في إسلام آباد الجمعة، لا بأس من استراحة في الشأن المحلي، البعيد كل البعد عن السياسة والاقتصاد، ودهاليز الحرب والسلام.

مع كل ربيع، يستبشر الناس خيرا بالمراعي. خضرة تسر الناظرين، وتنعش قطاعات عديدة، في مقدمتها الثروة الحيوانية والزراعة والسياحة.

على ضفتي الأطلسي، ومع كل التقدم العمراني وكثافة استخدام وسائط النقل، يتم إيلاء حركة مرور الحافلات اهتماما خاصا في الضواحي والمناطق الريفية والزراعية. وعلى نحو أكثر رعاية، في تلك المناطق -المأهولة أو غير المأهولة- التي فيها ثروات حيوانية، سواء أكان الاستثمار أو الاقتناء لغايات إنتاجية، سياحية، رياضية، أو طبيعية، كجزء أصيل مما يعرف بالتنوع الحيوي للمكان.

في المملكة المتحدة والولايات المتحدة على وجه الخصوص، عرفت بعضا من تلك القوانين الخاصة بالاقتناء والنقل والعبور. كانت المشاعر واحدة. تكاد تختفي فيها الحواجز اللغوية أو الفوارق الثقافية و»الطبقية» بمعنى الاقتصادية-الاجتماعية. فطبيعة الإنسان -من الوزير إلى الغفير كما يقال- تحب وتألف تلك الكائنات التي ثبت أن قيمتها أكثر من مجرد غذاء أو ركوبة أو حراثة، «وما تحرث الأرض إلا عجولها».. ثمة مدارس نفسية-اجتماعية وأخرى تربوية-تعليمية تتحدث بإسهاب وبأدلة علمية، بعضها مخبرية وإكلينيكية، عن قدرة حيوانات المزرعة على علاج أمراض العصر والوقاية منها، أكثر من تلك الحيوانات الأليفة المحصورة في شقة كالقطط والكلاب، خلافا لفطرتها وطبيعتها وحاجاتها الغريزية، للاستكشاف والقفز والتسلق، واللهو والعَدْو، وأحيانا الافتراس، لغايات البقاء، وليس عدوانا.

تكاد لا تخلو ثقافة أو حضارة في العالم، على امتداد التاريخ، من قيمة الرعاة، رعاة الخِراف على وجه التحديد. الاتّضاع والرحمة والمودة والبساطة والكرم، من سماتهم، فيما يحقق نوعا من انتقال الطباع الحميدة فيما بين الطرفين الراعي والمرعي. من المعروف والثابت أن الخراف تتبع صوت راعيها لا عصاه. ومن المعروف أنها كباشا ونعاجا وحملانا تعرف تماما بحواسها كافة وأهمها السمع، تعرف من يحرسها ومن لا يقترب منها إلا حبا، ولا يعيق حركة عبورها وسياحتها في أرض الله، وفي ما قسم الله لها من مراع، إلا حماية لها وحرصا على نجاتها من أي مصدر للخطر، اندسّ زاحفا على بطنه، أو مخترقا صفوفها دبيبا أو بغتة أو قفزا، أو انقضّ من عَلٍ هابطا. لا فرق بين الكواسر والجوارح، كلها أعداء في عين الراعي، وكلها أصواتها غير مفهومة وربما غير مسموعة من قبل الحملان، وإن تَخفّى بعض «الذئاب الخاطفة بأثواب الحملان» كما حذّر السيد المسيح، في صورة من صور تحذير الإنسان من الادْعياء والأنبياء الكذبة، سيما في «آخر الزمان»..

استلهمت هذه الصورة، في هذه الأيام الفارقة، من تعليق على فيديو قصير صار «ترِندا». لم يكن التعليق باللغة العربية، مما أكسب المشهد قيمة مضافة، وطنيا وإنسانيا. الصورة والفيديو كان عبورا آمنا وادعا وديعا لقطيع من الخراف السمينة والنعاج ممتلئة الضروع. العبور كان على أحد جسور عمّان التي في القلب.. مما زاد المشهد جمالا، تلك الطمأنينة التي سادت المشهد. للأمانة، لم أر الراعي أو الرعيان، لكني تأملت مليا، بعين البهجة والغبطة، في موسم البركة الذي نحياه الآن، بعد مواسم الصوم، تأملت بعشرات السيارات التي كانت تتقدم على وقْع طلوع «الحلال» للجسر العلويّ الحاني يسارا، تقدم السائقون جميعهم بلا استثناء بأناة خلف «الحلال» وراعيها، بدون حاجة إلى دورية شرطة سير أو أمانة عمّان الكبرى، وبلا «زوامير» في عجلة من أمرها، ولا عنْعنات سيارات «الهوامير» فارهة كانت، أم في طريقها إلى «السكراب» الخردة!

في بلادنا الجميلة، وفي تفاصيل حياتنا اليومية المباركة، الكثير من الجمال والوفير من الخير. لا يتطلب الأمر سوى التشبث بما تعلمناه باكرا: حسنٌ في كل عين من تودّ.. فما يراه البعض -تندرا وتنمرا- مشهدا «لا يليق بالمدينة» في القرن الواحد والعشرين، هو مما يبعث على الاعتزاز في أرقى عواصم العالم. والعجب العجاب، أن من بين المُتندّرين-المُتنمّرين، من قام بتصوير أو إعادة مشاركة فيديوهات انتظار السيارات في بلاد العم سام عبور سرب من البط أو الإوز، أو طابورا من السلاحف، ولكل شواخصه الخاصة في شوارع واشنطن العاصمة وضواحيها، قرب المتنزهات والمنتجعات الطبيعية.

رحم الله من قال: كُن جميلا ترى الوجود جميلا. واللهَ نسأل، أن يكون عبور محادثات السلام -أيا كانت أطرافها- عبورا آمنا، فذلك هو الحلال والحَسَن، في عينه سبحانه، جلت محبته ورحمته وحكمته وقدرته.

مواضيع قد تهمك