فراس النعسان : حين تُترك الساحات وحدها
نعيش الآن لحظات سياسية تسقط فيها كل العبارات الكبيرة دفعة واحدة، وتبقى الحقيقة عارية بلا شعارات. ما يحدث اليوم في لبنان وفلسطين هو واحدة من تلك اللحظات. بيروت تُقصف بعنف واضح، والفلسطينيون يواجهون مصيراً سياسياً معلقاً، بينما يتحرك العالم في اتجاه آخر تماماً، منشغلاً بإيران واتفاقاتها.
السؤال لم يعد من يدعم من في الخطابات، بل من بقي فعلاً على الأرض عندما بدأت الكلفة الحقيقية للمواجهة.
إسرائيل تعتدي على بيروت بعنف غير مسبوق، مستفيدة من لحظة إقليمية مرتبكة، ومن عالم منشغل بحسابات أخرى. لم تعد ردود الفعل الدولية تتجاوز بيانات القلق المعتادة، بينما يقف اللبنانيون مرة أخرى أمام مشهد مألوف: اقتصاد منهك، وساحة مفتوحة لتصفية الرسائل الإقليمية. المأساة هنا ليست فقط في حجم الدمار، بل في الإحساس المتزايد بأن لبنان لم يعد أولوية لأحد، حتى لدى من رفعوا شعار الدفاع عنه لسنوات طويلة.
أما فلسطين، فقصتها أكثر قسوة. فبينما تتزاحم الملفات الدولية حول البرنامج النووي الإيراني والتوازنات الكبرى، تُدفع القضية الفلسطينية إلى الهامش مجدداً. لا مفاوضات جدية، ولا ضغط دوليا حقيقيا، ولا حتى إجماع عربي واضح على استراتيجية موحدة. الفلسطينيون يجدون أنفسهم مرة أخرى في موقع الانتظار، كأن قضيتهم أصبحت بنداً مؤجلاً في جدول أعمال العالم.
اللافت أن الاتفاقات والتفاهمات التي تُبرم باسم «خفض التصعيد» غالباً ما تتجاهل هاتين الساحتين تحديداً. إيران، التي قدمت نفسها لسنوات باعتبارها رأس محور المواجهة، بدت في لحظة التفاهم مع الولايات المتحدة أكثر انشغالاً بضمان مصالحها المباشرة: العقوبات، الاقتصاد، واستقرار النظام. لبنان لم يكن بنداً مركزياً، وفلسطين لم تحضر إلا كعنوان رمزي، كما حدث مراراً في السابق.
هنا تتكشف إشكالية «وحدة الساحات» التي رُوّج لها طويلاً. الفكرة بدت قوية في الخطاب، لكنها تتفكك عند أول اختبار للمصالح الوطنية للنظام الإيراني. عندما يتعلق الأمر بأمن طهران أو استقرارها الداخلي، تصبح الأولويات مختلفة، وتتحول الساحات الأخرى إلى أوراق تفاوض لا أكثر. السياسة، في النهاية، لا تُدار بالعاطفة بل بحسابات البقاء، وهذه قاعدة تلتزم بها الدول مهما رفعت من شعارات أيديولوجية.
السؤال الأصعب اليوم ليس موجهاً إلى إيران وحدها، بل إلى كل من بنى رهانه السياسي عليها. هل كانت القراءة واقعية منذ البداية؟ وهل يمكن لدولة تواجه ضغوطاً داخلية واقتصادية هائلة أن تضع قضايا الآخرين قبل أمن نظامها؟ التجربة الحالية تقدّم إجابة واضحة، لكنها مؤلمة للبعض: الدول تتحرك وفق مصالحها أولاً.
وفي المقابل، يطرح ذلك سؤالاً أعمق على العالم العربي: لماذا بقيت المنطقة لسنوات تتأرجح بين الاعتماد على قوى خارجية متنافسة بدلاً من بناء مشروع إقليمي مستقل؟ الفراغ الذي ملأته إيران لم يكن نتيجة قوتها فقط، بل نتيجة غياب بدائل واضحة قادرة على حماية التوازن الإقليمي ودعم القضايا العربية بواقعية واستمرارية.
ما يحدث اليوم قد يكون لحظة مراجعة قاسية، لكنها ضرورية. لبنان يكتشف حدود الرهانات، وفلسطين تواجه مرة أخرى حقيقة أزمتها السياسية، والمنطقة كلها ترى كيف تتغير الأولويات عندما تدخل المصالح الكبرى على الخط. الدرس ليس في إدانة طرف أو تمجيد آخر، بل في فهم قاعدة بسيطة: من لا يملك قراره الاستراتيجي، يبقى دائماً جزءاً من تفاوض الآخرين، لا شريكاً فيه.