الأخبار

د. كميل الريحاني : سلامٌ مُعلَّق على رفّ الانتقائية والعدالة رهينة السياسة

د. كميل الريحاني : سلامٌ مُعلَّق على رفّ الانتقائية والعدالة رهينة السياسة
أخبارنا :  

قرارات أممية تُطبَّق وفق المصالح لا المبادئ، لتبقى الحروب أطول عمراً من الحلول.

في منطقةٍ أنهكتها الحروب المتعاقبة، وتراكمت فوق أرضها الأزمات والصراعات، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً: لماذا لا يتحقق السلام في الشرق الأوسط رغم كثرة المبادرات الدولية، والقرارات الأممية، والمؤتمرات التي لا تنتهي؟

الإجابة، وإن بدت معقدة، تختصرها حقيقة واحدة: غياب العدالة وتطبيق القانون الدولي بشكل متوازن ونزيه.

== بين النصوص والواقع فجوة العدالة

لقد أصدرت الأمم المتحدة عبر عقود طويلة عشرات القرارات المتعلقة بالشرق الأوسط، بدءاً من القضية الفلسطينية، مروراً بالصراعات الإقليمية، وانتهاءً بالملفات الإنسانية والحدودية. غير أن المشكلة لم تكن يوماً في نقص النصوص القانونية، بل في غياب الإرادة السياسية لتنفيذها.

فقراراتٌ مثل حق الشعوب في تقرير مصيرها، ورفض الاستيطان، واحترام سيادة الدول، بقيت في كثير من الأحيان حبراً على ورق، تُستدعى عند الحاجة وتُغيب عند التعارض مع مصالح القوى الكبرى.

وهنا تكمن الأزمة: عندما يفقد القانون الدولي حياده، يفقد تأثيره.

== ازدواجية المعايير الوقود الحقيقي للصراعات

لا يمكن الحديث عن سلام مستدام دون الاعتراف بأن أحد أبرز أسباب استمرار التوتر في المنطقة هو ازدواجية المعايير في تطبيق العدالة الدولية.

ففي الوقت الذي تُفرض فيه العقوبات على بعض الدول بسرعة وحزم، يُغضّ الطرف عن انتهاكات أخرى واضحة؛ ما يخلق شعوراً عميقاً بالظلم وعدم الإنصاف.

هذا الشعور لا يقتصر على الحكومات فحسب، بل يمتد إلى الشعوب التي ترى أن حقوقها لا تحظى بالاهتمام ذاته؛ مما يغذي مشاعر الغضب والإحباط، ويُبقي جذوة الصراع مشتعلة.

== السلام لا يُفرض بالقوة بل يُبنى بالعدالة

لقد أثبتت التجارب أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع أن تفرض سلاماً دائماً.

فالهدن المؤقتة التي تُبنى على موازين القوة سرعان ما تنهار؛ لأن جذور المشكلة تبقى قائمة.

أما السلام الحقيقي، فهو ذلك الذي يقوم على:

- احترام الحقوق

- ضمان الكرامة الإنسانية

- تطبيق القوانين بشكل متساوٍ

- توفير بيئة عادلة لجميع الأطراف

فحين يشعر الجميع بأن القانون يحميهم ولا يستهدفهم، يصبح السلام خياراً منطقياً لا حلاً مفروضاً.

== دور الأمم المتحدة بين التحدي والمسؤولية

تقف الأمم المتحدة اليوم أمام اختبار حقيقي لدورها ومصداقيتها.

فإما أن تستعيد دورها كحكم عادل يطبّق قراراته دون تمييز، أو تبقى مجرد منصة لإصدار بيانات لا تغيّر شيئاً على أرض الواقع.

المطلوب ليس المزيد من القرارات، بل:

- تفعيل آليات التنفيذ

- تعزيز استقلالية المؤسسات الدولية

- الضغط الجاد لضمان الالتزام بالقانون الدولي

فبدون ذلك، ستبقى القرارات مجرد نصوص جميلة بلا أثر فعلي.

== متى تصمت المدافع؟

لن تصمت المدافع في الشرق الأوسط ببيانات الإدانة، ولا بالمفاوضات الشكلية، بل عندما يتحقق العدل الحقيقي.

عندما يُحاسَب المخطئ أياً كان، وتُصان الحقوق دون استثناء، ويُعامل الجميع بمعايير واحدة.

عندها فقط، سيتراجع منطق القوة لصالح منطق القانون، وستتحول الصراعات من ساحات القتال إلى طاولات الحوار.

فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى تطبيق صادق لما أقره العالم بنفسه من قوانين ومواثيق.

فالعدالة ليست خياراً سياسياً، بل شرطٌ أساسي للسلام.

وعندما تتحقق العدالة تصمت المدافع، وتُطوى صفحات الألم، ويبدأ فصل جديد عنوانه: سلامٌ مستحق لا مفروض.

ــ الدستور

مواضيع قد تهمك