الأخبار

د. محمد رسول الطراونة : جماعة عمان لحوارات المستقبل: أحد الجيمات الثلاث

د. محمد رسول الطراونة : جماعة عمان لحوارات المستقبل: أحد الجيمات الثلاث
أخبارنا :  

قبل أسبوع واحد فقط ، كنت أقف على عتبة مقر جماعة عمان لحوارات المستقبل بعد غياب قسري دام عاماً كاملاً بسبب المرض،عام من الألم والعلاج، من المستشفيات والأدوية، من لحظات اليأس القاتلة وانتصارات الإرادة الصغيرة، لكن إرادة الله شفَتني وأعادتني إلى هذا الفضاء الذي احتضن فكري وروحي منذ التأسيس قبل عقد. ها أنا ذا أعود، متوكلاً على الله، محملاً بذاكرة المرض الذي حاول أن يسرق مني الحياة، فلم يسرق مني حب العطاء والعمل الوطني.

 

ثلاثة جيمات في عام واحد، العام الماضي لم يكن مجرد عام عادي في رحلة حياتي، بل كان عام الجيمات الثلاثة التي أعادتني إلى الحياة من جديد. الجيم الأول: جامعي – جامع الشاكرين – المسجد، حيث أصدقائي وجلهم من أهل صلاة الجماعة وصلاة الفجر،الذين فقدوني بين صفوفهم وافتقدوني مراراً وتكراراً، كان هذا الجيم هو البداية، لأن العودة إلى الله هي أول الطريق وأصل كل عافية . والجيم الثاني : جماعة عمان لحوارات المستقبل، بيتي الفكري وملاذي الوطني، حيث نصنع الأفكار ونبني المستقبل. والجيم الثالث: ( الجم) – النادي الرياضي، حيث استعدت لياقتي البدنية بعد أن أوهن المرض جسدي، فعدت لممارسة رياضتي المفضلة- السباحة - والمشي بصحبة أصدقاء جدد. ثلاثة جيمات، ثلاثة مسارات للتعافي الروحي والفكري والجسدي، جمعتها الأقدار في عام واحد، وكأن القدر كان يعدني لحياة جديدة تبدأ من الجامع مرورا بجماعة عمان، وتكتمل بجم -الرياضة.

جماعة عمان، منبر وطني بلا سقف ، فالجماعة ليست مجرد تجمع عابر، بل هي مؤسسة فكرية وطنية انطلقت منذ عقد، تجمع تحت لوائها شخصيات عامة، وأكاديميون، وسياسيون، ونقابيون، وإعلاميون، يختلفون في الرؤى لكنهم يتحدون على حب الأردن وخدمة قضاياه المصيرية. تعقد الجماعة اجتماعاتها الشهرية وندواتها المنتظمة، وتصدر بياناتها وتوصياتها التي تصل إلى صناع القرار، كما تنظم حوارات مع اصحاب القرار واخرى مفتوحة الشباب في الجامعات والمحافظات.

أما تأثيرها في الرأي العام، فلن أبالغ إذا قلت: " فحدث ولا حرج"، ففي أزمة ارتفاع أسعار المحروقات، كانت الجماعة السباقة في الدعوة إلى ترشيد الاستهلاك وتوجيه الدعم لمستحقيه، مما خلق نقاشاً مجتمعياً صحياً كسر المحظور. وفي قضية التطبيع الثقافي، أصدرت الجماعة بيانات حازمة رفضت فيها أي شكل من أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني، وطالبت بطرد أي وفد ثقافي يزور الأردن بغطاء التبادل الثقافي.كما كان لها موقف مشرف في الدفاع عن غزة، حيث أطلقت مبادرة عالمية لنصرة القطاع بست لغات، وصلت إلى برلمانات أوروبية وعواصم عربية. وخلال جائحة كوفيد-19، كان للجماعة دور بارز في متابعة السياسات الصحية الحكومية، وإصدار توصيات علمية تسهم في تعزيز الوعي المجتمعي ومواجهة الشائعات، إضافة إلى دعم جهود التطعيم ورفع الروح المعنوية للكوادر الطبية. ولم تغفل الجماعة دورها الثقافي، فكانت من أبرز المدافعين عن اللغة العربية في مواجهة طغيان اللغات الأجنبية وضعف التعبير السليم، كما أسهمت في مكافحة التطرف الديني عبر نشر ثقافة الحوار المعتدل وتأكيد قيمة المواطنة بعيداً عن أي خطاب متطرف أو متشدد.

أمس، كان يوماً استثنائياً بكل المقاييس، حضرت أول اجتماع شهري للجماعة بعد غياب دام سنة كاملة، دخلت القاعة، فرأيت الوجوه التي أحبها، بعضهم احتضنني، والبعض الآخر صافحني طويلاً دون كلام. الأخ الرئيس، الصديق الفاضل الأستاذ بلال حسن التل (أبو حسن)، كان قد قال لي أكثر من مرة في معظم اتصالاته الهاتفية التفقدية طوال العام: "مكانك كان خالياً يا صديقنا، كنا نرفع لك الدعاء في كل جلسة". ناقشنا خلال الاجتماع الشهري ، قضايا الساعة الوطنية، وكان شعور المشاركة وكأنني لم أغب أبداً، لكن الفرح الأكبر كان عندما أعلنت عودتي رسمياً إلى فريقي الأساسي داخل الجماعة: الفريق الصحي، هذا الفريق هو الذي كنت أعمل معه قبل المرض، حيث ندرس السياسات الصحية، ونقدم توصيات لتحسين الخدمات الطبية في الأردن، ونناقش تحديات الصحة العامة. مرضي جعلني أفهم هموم المرضى أكثر، وأعرف الثغرات في النظام الصحي عن قرب. لذلك، سأعمل مع زملائي في الفريق بكل شغف، لعل تجربتي مع الألم تكون إضافة حقيقية لتوصياتنا ومبادراتنا.

خاتمة الكلام، قبل أسبوع عدت إلى الجيم الأول (الجامع) لأصلي واشكر ربي على نعمه التي لا تعد ولا تحصى ، وأمس عدت إلى الجيم الثاني (جماعة عمان) لأشارك وأعطي، وغداً سأواصل في الجيم الثالث -الجم ( النادي) لأقوي جسدي. ها أنا اليوم، أكتب هذه الكلمات بعد أن استقرت قدمي مجدداً في مقر الجماعة، جالساً إلى زملائي في الفريق الصحي، نخطط للشهر القادم،الفرح ليس بالعودة فقط، بل بأنني عدت لأجد الجماعة أقوى مما تركتها، أكثر تأثيراً، أكثر قرباً من الناس، هذا هو الجيم الثاني الذي يلي الجيم الأول في الأهمية، حيث نصنع الأفكار ونبني المستقبل، وحيث يلتقي الروحي بالسياسي بالإنساني في رحلة واحدة نحو أردن أفضل. والحمد لله على كل شيء، وعلى نعمة العافية، وعلى اجتماع أمس الذي كان بمثابة عيد ميلادي الثاني.

أمين عام المجلس الصحي العالي السابق

مواضيع قد تهمك