الأخبار

اسماعيل الشريف : احذر.. الخوارزميات تسرقك

اسماعيل الشريف :  احذر.. الخوارزميات تسرقك
أخبارنا :  

 أخطر أشكال السيطرة هي التي لا نشعر بها – جورج أورويل.
تعلّمنا في الجامعات أن الأسعار تُحدَّد، في المقام الأول، وفق آليات العرض والطلب، وكانت السلع تُعرض على الرفوف بسعرٍ واحد لا يميّز بين زبون وآخر.
غير أن ذلك الزمن قد ولّى.
بدأنا نشتري السلع عبر الإنترنت؛ نختار ما نريد بضغطة زر، وننتظرها لتصل إلى منازلنا. ومع مرور الوقت، ألفنا هذه الطريقة حتى غدا كل شيء يُسلَّم إلى أبواب بيوتنا. تحوّلنا تدريجيًا إلى مستهلكين كسالى ندير شؤون حياتنا من خلف الشاشات، فتراجع الإقبال على التسوق المباشر، وأصبح ازدياد عدد محالّ التجزئة التي تُغلق أبوابها شاهدًا على ذلك.
واليوم، بدأنا ندفع ثمن هذا الكسل. فنحن أمام واقع مختلف كليًا في تسعير السلع، واقع لا يمتّ بصلة لما تعلّمناه في كتب الاقتصاد. لم يعد السعر انعكاسًا للدخل، ولا تعبيرًا عن سعر عادل، ولا نتيجة مباشرة لآليات العرض والطلب، بل قرارًا تصنعه الخوارزميات: نوع الهاتف الذي تستخدمه، موقعك الجغرافي، درجة استعجالك، أنماطك الشرائية، توقيت شرائك لسلع معيّنة، عدد مرات تصفحك للمنتج، تكرار تحديثك للصفحة، مستوى شحن بطارية جهازك، وحتى ما إذا كنت مترددًا أم حاسمًا في قرار الشراء.
وقد انطلقت هذه الثورة بصمت، من دون أن ينتبه إليها معظم الناس. لم يعد السؤال المطروح: ما هو السعر العادل؟ بل أصبح السؤال الحقيقي: كيف يمكن استخراج أكبر قدر ممكن من المال من هذا الفرد؟
تؤكد الدراسات أن سعر السلعة الواحدة قد يختلف اختلافًا كبيرًا تبعًا لأنماط الشراء ونوع الجهاز المستخدم. ويشير تقرير صادر عن شركة ماكينزي إلى أن أنظمة التسعير القائمة على الذكاء الاصطناعي زادت من إيرادات الشركات بنسبة قد تصل إلى 15%. بل إن الرمز البريدي وحده قد يتحول إلى أداة تسعير حاسمة؛ فقد تكون محدود الدخل وتعيش، لأي سبب، في عبدون، فتُحاسَب بأسعار الأغنياء لا بقدرتك الشرائية الحقيقية.
وتشير دراسات أخرى إلى أن بعض شركات تطبيقات التوصيل ترفع رسومها كلما انخفض مستوى شحن بطارية الهاتف. فكّر بالأمر: هاتف على وشك النفاد يعني خيارات أقل، وخيارات أقل تعني قدرة أكبر على فرض أسعار أعلى. وبين عامي 2022 و2025 قفزت إيرادات إحدى هذه الشركات قفزًا حادًا، في حين ظلت ايرادات السائقين ثابتة.
ولعل شركات الطيران كانت السباقة إلى هذا النهج حتى قبل الضجيج المصاحب للذكاء الاصطناعي؛ إذ لم تكن أسعار التذاكر يومًا انعكاسًا للمسافة بقدر ما كانت مرتبطة بتوقيت الحجز وموعد السفر. أما اليوم، فقد دخل الذكاء الاصطناعي على الخط ليعمّق هذا التفاوت. جرّب أن تحجز الرحلة نفسها من جهازين مختلفين، وستفاجأ بأسعار متباينة، أو حاول أن تحجز أنت وشخص آخر، لتكتشف أن التذكرة الواحدة لها أكثر من سعر، بحسب من يطلبها.
وبالتوازي، شرعت شركات التجزئة في اختبار هذا النموذج من التسعير. فقد اعترفت شركة أمازون بأنها أجرت ما وصفته بـ«تجارب سعرية» عقب ملاحظات العملاء بشأن اختلاف أسعار سلعة واحدة. وعندما سُئل المستخدمون عن موقفهم من هذا التفاوت، لم يعتبره كثيرون خللًا جوهريًا، بحجة أن القرار النهائي يبقى بيد المستهلك: أن يشتري أو أن يمتنع.
واليوم باتت تطبيقات البقالة تعرض تفاوتًا في أسعار السلعة الواحدة في اللحظة نفسها. تظهر ملصقات أسعار رقمية على الرفوف الافتراضية، وتتيح للأنظمة تعديل الأسعار لحظيًا وفق المنطقة الجغرافية، ووفق هوية المشتري ذاته. قد ترى، مثلًا، بارتفاع سعر «البندورة» أمامك، رغم أن سعرها في الحسبة يتراجع بشكل حاد، لا لندرة السلعة، بل لأنك اعتدت شراءها من دون تردد، ولأن عنوانك يقع في أحد الأحياء الميسورة.
وتنتهي هذه المفارقة: المزارع البسيط يتكبّد خسائر فادحة في محصوله، فيما تدفع أنت ثمن البندورة مضاعفًا، ليبقى المستفيد الوحيد من هذه المعادلة المختلّة هو المتجر الإلكتروني، لا المنتج ولا المستهلك.
ولذلك، إن أردت قلب المعادلة وجعل هذه الخوارزميات تعمل لمصلحتك، فعليك بالمرونة والصبر، والتأنّي في اتخاذ قرار الشراء، والمقارنة من أكثر من جهاز، وكسر نمطك الاستهلاكي المعتاد. فالخوارزميات لا تراك كإنسان، بل كنمط، وكلما كسرت هذا النمط، ضعفت قدرتها على قراءتك وتسعيرك ضد مصلحتك. أما إذا دخلت التجربة مستعجلًا، أو مرهقًا، أو فاقدًا للصبر، فاعلم أنك، في الغالب، ستدفع الثمن الأعلى.
في زمن تحكمه الخوارزميات، لم يعد مستوى الدخل ولا مهارة المساومة هما العامل الحاسم، بل حجم بياناتك وكيفية إدارتها. فقد يستطيع من يعيش على خمسمائة دينار أن يحيا بمستوى من يتقاضى ألف دينار، إذا أحسن التعامل مع أنظمة التسعير، في حين قد يجد من يعيش بألفي دينار نفسه كمن يعيش بألف فقط، لأنه لا يعرف كيف تعمل هذه الخوارزميات ولا كيف يلتفّ عليها.
ومع مرور الوقت، قد يؤدي هذا المسار إلى تآكل الثقة بمواقع التجارة الإلكترونية وشركات البيع عبر الإنترنت، وربما يدفع الناس إلى العودة مجددًا للشراء من بقالة الحيّ؛ من «أبو كريم» إلى «أبو هيثم الخضَرجي»، حيث السعر معروف، والوجه مألوف، والمعادلة أبسط وأكثر عدلًا.

مواضيع قد تهمك