د. عبد الله سرور الزعبي : هل بدأ عصر التمرد بتحالف يعيد رسم السياسة والاقتصاد العالمي؟
لم يعد منتدى دافوس 2026 مساحةً للاحتفال بالعولمة كما كان في السابق، ولا منبرًا لتسويق التفاؤل الليبرالي بوصفه قدراً عالمياً، ولم تكن النقاشات محصورة بالاقتصاد أو المناخ، ولا الكلمات مجرّد خطابات بروتوكولية، بل تحوّلت إلى شقوقٍ عميقة في جدار نظامٍ عالمي تقوده الولايات المتحدة ظنّ نفسه ابدياً. تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب أكدت للقادة الغربيين، وبوضوح توجّهًا فوقياً وهيمنة أميركية متزايدة، وأقرب الى التفردية بالقرار الغربي، ورفضًا متصاعدًا للالتزامات الدولية التي شكّلت، لعقود، عماد النظام الغربي.في هذا السياق تحديدًا، يكتسب تصريح رئيس وزراء كندا ثقله التاريخي والفلسفي. فهو لا يعلن أزمةً دورية في النظام القائم، بل يقرّ بانتهاء صلاحيتها كنظامٍ كونيّ قادر على القيادة. والمفارقة العميقة أن هذا الإعلان يأتي بعد نحو سبعة عقود على تشكّل نظام الهيمنة الغربي عقب الحرب العالمية الثانية، وفي تكرار يكاد يكون حرفيًا لمسار الكتلة الشيوعية التي وُلدت بعد الحرب العالمية الأولى، ثم انهارت بعد سبعين عامًا، ليس بسبب انهزامها عسكرياً، بل حين استنفدت قدرتها على تجديد ذاتها.
كأنّ دافوس، الذي صُمّم يومًا ليكون معبد العولمة، تحوّل إلى مسرح اعتراف. توتّر الخطابات، تناقض الأولويات، وانكسار اللغة الواثقة، كلها مؤشرات على إدراكٍ جماعي لدى النخب، وللمرة الأولى، أن النظام الغربي القائم، لم يعد قادرًا على الاستمرار بالمنطق ذاته. التاريخ، كما يثبت مرارًا، لا يرحم الأنظمة التي تتوقف عن إنتاج المعنى والعدالة معًا. والعالم اليوم لا يمر بأزمة عابرة، بل يقف على عتبة انتقال تاريخي عميق.
لم يكن حديث رئيس وزراء كندا، وهو أحد أعمدة النظام الغربي، تصريحًا عابرًا أو مزايدة أخلاقية، بل لحظة كاشفة عن نهاية الهيمنة التقليدية للنظام العالمي، وأن النموذج لم يعد صالحًا، فنحن لسنا أمام نقدٍ ذاتي، بل أمام إعلان انتهاء مرحلة كاملة من التاريخ السياسي والاقتصادي، وبداية انطلاقة تحوّل جذري في فلسفة القيادة العالمية، أقرب ما تكون الى انقلاب استراتيجي عالمي.
في هذا الفراغ، لا تولد التحالفات الجديدة من رحم القوة وحدها، بل من انهيار السرديات الكبرى. لم يعد السؤال، من الأقوى؟ بل، من يملك روايةً مقنعة عن المستقبل، في عالمٍ يتفكك نظامه القديم، ولم يكتمل بعد مخاض نظامه الجديد؟
في لحظة دافوس، يبدو التاريخ وكأنه يستعيد منطقه الهيغلي القاسي "كل نظامٍ يبلغ ذروة انتصاره يبدأ، في اللحظة ذاتها، بإنتاج نفيه الداخلي". النظام الذي أسس بعد من الحرب العالمية الثانية بوصفه نهاية البدائل وذروة العقل الاقتصادي، وصل اليوم إلى مرحلة الشيخوخة الهيغلية، حيث يتآكل المعنى قبل أن تتفكك البُنى. وهنا يلتقي هيغل مع أرنولد توينبي، الذي رأى أن الحضارات لا تسقط بفعل الغزوات، بل حين تعجز نخبها عن تقديم استجابة خلاقة لتحديات عصرها.
دافوس 2026 لم يكن ساحة إنكار، النخب الغربية، تقرّ بأن النموذج لم يعد قادرًا على الاستجابة، وأن السوق المنفلتة لم تعد تنتج الاستقرار، ولا العدالة، ولا الشرعية السياسية.
في هذا السياق، تكتسب دعوة رئيس وزراء كندا، إلى إنشاء "تحالف المتمرّدين" معناها الأعمق. فهو ليس تكتلًا ثوريًا ضد النظام القائم، بقدر ما هو محاولة لإعادة تسييس الاقتصاد، تمامًا كما حذّر كارل بولاني حين أكد أن المجتمعات ستثور حين يتحوّل السوق إلى قوة منفصلة عن الإنسان.
الخطير في لحظة ما بعد دافوس ليس سقوط النظام الدولي، بل الفراغ الذي يخلّفه. فالفترة الانتقالية، التي قد تمتد لعقد من الزمن على الاقل، لا تُحسم بالقوة وحدها، بل بالقدرة على إنتاج معنى جديد. تحالف المتمرّدين، إن لم يتحوّل من حالة احتجاج نخبوي إلى مشروع فكري وسياسي متكامل، سيبقى مجرد عرض جانبي لانهيار أكبر.
كندا تتقدّم هذا المشهد لا بوصفها قوةً عظمى، بل كصوت ضمير ارتفع داخل النظام نفسه، دولة لا تحمل إرثًا إمبراطوريًا ثقيلًا، وتحاول أن تتموضع كجسر بين نظم متآكلة، وعالمٍ يبحث عن عقد اجتماعي عالمي جديد. وهي، بدعوتها إلى هذا التحالف، لا تطرح تحالفاً عسكرياً، بل ترفض الدور التابع التقليدي، وتسعى لتأسيس نواة سياسية واستراتيجية لدول متوسطة في أوروبا وآسيا، وقوى صاعدة تبحث عن استقلالها في النظام الدولي.
سيكون الانضمام إلى هذا التحالف مفتوحًا أمام دول أميركا اللاتينية وأفريقيا، بهدف موازنة نفوذ القوى الكبرى. تحالف يرفض الهيمنة الأحادية أو الثنائية، ويدعو إلى نظام متعدد الأقطاب قائم على السيادة الاستراتيجية والتعاون الذكي.
من أبرز أهداف فكرة إنشاء تحالف المتمرّدين، إعادة توزيع السلطة في التجارة العالمية، وتقليل الاعتماد على المعايير الأميركية والصينية، وتعزيز السيادة عبر بناء شراكات مستقلة في الاقتصاد الرقمي، والتكنولوجيا والطاقة والمناخ. كما يهدف للتحكم بالموارد الاستراتيجية، كالمعادن النادرة، ومصادر الطاقة، وامتلاك النفوذ على بعض الممرات البحرية. هذه الأهداف ان تحققت، تطمح لإعادة تقييم اتفاقيات التجارة الحرة القائمة لضمان مصالحها بعيدًا عن الهيمنة التقليدية للولايات المتحدة أو الصين أو روسيا، مما يسمح لأعضائه بإعادة رسم خريطة النفوذ الاقتصادي والاستراتيجي عالميًا، او المشاركة فيها.
اقتصاد الدول المتوسطة، التي يقصدها رئيس الوزراء الكندي، قد يصل إلى نحو 15 تريليون دولار سنوياً، مما يمنحه قدرة فعلية على التأثير في مسار النمو العالمي من موقع أكثر استقلالية.
فكرة انشاء تحالف المتمرّدين، تشبه الى درجة كبيرة، حركة عدم الانحياز في أوج الحرب الباردة، (استمر حوالي ثلاثة عقود)، لكنها ستكون أكثر ديناميكية ومرونة. وقد تضم مستقبلًا دولًا مثل الهند، الساعية إلى تأمين مواردها واستقلالها الاستراتيجي بعيدًا عن الضغوط الأميركية والصينية.
أوروبا، من جهتها، تعيش حالة تمرّد متردّد. تدرك انهيار السردية الاطلسية، لكنها عاجزة عن القطيعة معها، فتتأرجح بين التبعية الأمنية لواشنطن، والانفتاح البراغماتي على الصين، وتبحث عن استقلال استراتيجي لم يولد بعد. ومع ذلك، قد تكون جسر استراتيجي إذا عالجت أزماتها الداخلية، واستثمرت في شبكة تجارة وأمن مستقلة.
هناك إشارات متزايدة، قد تقرأ بأن دولًا مثل فرنسا، وبريطانيا، وغيرها، قد تنظر في الانضمام إلى التحالف الجديد، خاصة إذا وجدت أن الانضمام يوفر لها مرونة أكبر في السياسات الاقتصادية والتجارية واستقلالية استراتيجية بعيدًا عن القيود التقليدية للاتحاد الأوروبي أو الاعتماد على واشنطن.
في المقابل، تقف الصين خارج هذا المخاض الغربي، لا بوصفها عضوًا محتملًا في التحالف، بل كمرآة تهديد صامت، تقدّم نموذجًا للاستقرار والفاعلية دون وعود، مستفيدة من التفكك الغربي دون أن تعلن بديلًا كونيًا مكتملًا.
الصين، ترى في هذا التحالف ان اكتملت ولادته، فرصة لتعزيز موقعها كقوة عالمية، وتوسيع المبادرات الاقتصادية في آسيا، وأفريقيا، وأميركا اللاتينية، بما يعزز قدرتها على فرض شروط في الأسواق العالمية والممرات البحرية.
استغلت روسيا الخلاف بين أميركا، وكندا، لتعزيز حضورها في القطب الشمالي (حيث الثروات، التي تمثل ورقة استراتيجية كبرى) وهي تدرك بأن الحروب القادمة على الاغلب ستكون في الجزء الشمالي من الكرة الارضية. بوتين يركز على توسيع النفوذ الروسي في الشمال وفي أوراسيا، مستفيداً من الانقسامات الغربية، ويقوي الشراكة مع الصين في الطاقة، والتكنولوجيا لتشكيل كتلة للمواجهة مع الغرب التقليدي. بوتين يؤمن بأن أي نوع من الفوضى تخدم مصالحه الجيوسياسية.
أما الشرق الأوسط، فسيكون ساحة محورية في رسم مستقبل التحالفات، نظرًا لموقعه الجيواستراتيجي، وموارده وممراته البحرية. دول مثل مصر وتركيا، وربما السعودية، وغيرها، قد تكون مرشحة للانخراط وبدرجات متفاوتة، بحثًا عن الفرص الصاعدة، وتوازن جديد بين التحالفات المستقبلية.
الأردن، المرتبط باتفاقيات استراتيجية مع الولايات المتحدة وأوروبا، قد لا ينضم بالكامل، لكنه يمتلك خيارات ذكية، شراكة جزئية، ودور الجسر الإقليمي، أو اتفاقيات ثنائية ضمن شبكة التحالف، بما يمنحه مرونة استراتيجية في عالم متعدد الأقطاب.
في زمن التمرّد العالمي المنتظر، يحتاج الأردن إلى تحالف العقل والمعنى. فالتاريخ، كما علّمنا هيغل وتوينبي، لا يكافئ الأقوى، بل الأقدر على الفهم حين يعمى الآخرون.
بهذه الطريقة، يمكن للأردن أن يحافظ على استقراره الاستراتيجي وأمنه الوطني، بينما يستفيد من شبكة التحالفات الجديدة وفرص النمو الاقتصادي.
العالم اليوم، منقسم بين مجلس السلام الأميركي، والأمم المتحدة التي تتآكل مؤسساتها، والمنافسة على قيادة العالم تشتد. مجلس السلام يبدو أكثر مرونة وقوة، الا انه يواجه صعوبات في جذب القوى الكبرى وإثبات فعاليته، بينما تبقى الأمم المتحدة، رغم عدم فعاليتها، المرجع الشرعي حتى الآن.
في المقابل، تحالف المتمردين، قد يتمتع بالمرونة والواقعية، إذا استطاع تقديم بدائل للدول التي تبحث عن سيادة واستقلال استراتيجي، وقد ينظر الى الأمم المتحدة المرجع الشرعي الوحيد، رغم هشاشتها، الا انه قد يكون قادراً على اجراء إصلاحات كبرى في هيكلها، بدعم من بعض الدول الكبرى، لتعود الإطار الشرعي الأقوى؟
هكذا، لا يكون دافوس إعلان نهاية نظام بقدر ما هو شهادة ميلاد فراغ تاريخي، فراغ لا تملؤه التحالفات بالقوة العسكرية أو المالية فقط، بل عن إجابة كبرى، ما شكل العلاقة القادمة بين الدولة والسوق والإنسان؟ من يملك الجرأة على صياغة هذه الإجابة، هو من سيكتب ملامح النظام العالمي القادم. وهؤلاء قد لا يكونون المنتصرين فقط، بل أولئك الذين فهموا أن التمرّد الحقيقي ليس على الآخرين، بل على الأفكار التي انتهت صلاحيتها.
*مركز عبر المتوسط للدراسات الإستراتيجية
ــ الغد