الأخبار

د. هيفاء ابو غزالة : عندما تتحد الهويات .. تُولد خريطة عربية جديدة

د. هيفاء ابو غزالة : عندما تتحد الهويات .. تُولد خريطة عربية جديدة
أخبارنا :  

* قراءة في طرح الوزير سعيد المصري

تبدو بلاد الشام والعراق اليوم وكأنها تقف على حافة مفترق تاريخي؛ مفترق يتداخل فيه الإرث المثقل بالانقسامات مع تحديات الحاضر وضبابية المستقبل. وفي محاضرة مهمة ألقاها الوزير سعيد المصري في نادي الروتاري، أعاد فتح الجرح العميق الذي تسبّب به التشرذم الهوياتي، ليس بوصفه ظاهرة عابرة، بل بوصفه العامل الأكثر فتكًا في بنية الدولة الوطنية، وفي قدرة مجتمعات المنطقة على إنتاج مشروع مستقبلي يعيدها إلى مكانها الطبيعي في المسار الحضاري العربي.

أسّس المصري أطروحته على حقيقةٍ أليمة: إن الهويات الفرعية التي كانت يومًا مصدر ثراء ثقافي وإنساني تحوّلت تحت وطأة الصراع السياسي والتدخل الخارجي وسوء إدارة التنوّع إلى ساحات استقطاب حادّ مزّقت النسيج الاجتماعي وأفقدت الدولة قيمتها الرمزية. ولأن الدولة حين تفقد رمزيتها، تفقد قدرتها على حماية المجتمع وصناعة الأمل، وجد المواطن نفسه عالقًا بين خطاب داخلي متشظي، خطاب يفتقد إلى الوحدة والانسجام ، وضغوط إقليمية تدفعه إلى مزيد من التفكك والارتهان.

غير أنّ المحاضرة لم تكن مرثية للواقع بقدر ما كانت محاولة جريئة لرسم مسارٍ جديد. فالمصري دعا إلى الانتقال من عقلية "ترميم ما تكسّر” إلى عقلية "بناء ما يمكن أن يُنهِض”، واقترح إنشاء تحالف فكري يضم نخبة من الأكاديميين والمفكرين وقادة الرأي من بلاد الشام والعراق، تكون مهمته إعادة إنتاج خطاب الهوية من منظور جامع لا صدامي. فالهويات، كما وصفها، لا تُلغى ولا تُحتوى بالقوة، بل تُعاد صياغتها عبر الوعي والمعرفة وتحريرها من الاستخدام السياسي الضيق.

ولأن المصالحة الفكرية تحتاج إلى سند اجتماعي، دعا إلى تأسيس شبكة شعبية واسعة تعمل على ترميم الثقة، وتُعيد للذاكرة المشتركة اعتبارها، وتجعل الحوار قيمة يومية لا حدثًا موسميًا. فالمجتمعات التي تعلّمت أن تخاف من بعضها تحتاج إلى جسور صغيرة كثيرة، لا إلى جسور كبرى تُبنى على الورق.

ثم انطلق المصري إلى ما هو أبعد: إلى مشروع التماسك الإقليمي، الذي رأى أنه لا يمكن أن يقوم دون ثلاثة أعمدة رئيسية. أولها الحوار الصريح بين مكونات المجتمع داخل الدولة الواحدة، وثانيها استعادة الدولة لمكانتها باعتبارها الإطار العادل الذي يوزّع الفرص ويحمي الحقوق، وثالثها الاندماج الاقتصادي بين دول الإقليم لخلق مصالح مشتركة تعيد ربط الشعوب بمستقبل واحد.

وفي عمق هذا الطرح، يلمح المرء إلى رؤية مستقبلية واسعة: رؤية تقول إن المنطقة العربية، رغم ما تمرّ به من أزمات، تمتلك عناصر قوة قد تُعيد لها دورها الحضاري والسياسي إذا أُحسن استثمارها. فبلاد الشام والعراق ليست مجرد خرائط سياسية، بل فضاء حضاري وثقافي واقتصادي قادر ـ إن تعافى ـ على إعادة التوازن للمنطقة كلها.

اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، تحتاج المنطقة إلى مبادرات فكرية جريئة تسبق السياسة ولا تتبعها، وإلى مصالحة بين الذاكرة والمستقبل، وبين تنوّع الهويات ووحدة المصير. وما طرحه المصري يفتح نافذة جديدة على إمكانية أن تتحول المنطقة من ساحة صراع وتنافس إلى فضاء تعاون وتماسك، يقوده وعي جديد، لا إرث الانقسام.

إن الطريق ليس سهلًا ولا قصيرًا، لكنه يبدأ دائمًا بفكرة صحيحة، وبخطوة تُعيد للأمل منطقه. وربما كانت هذه المحاضرة واحدة من تلك اللحظات النادرة التي تمنحنا فرصة لنتخيّل كيف يمكن للمنطقة العربية أن تنهض من قلب أزماتها، لا بالقطيعة، بل بالتلاقي؛ ولا بالشعارات، بل بإرادة تُعيد تعريف الهوية، وترسم ملامح تماسكٍ إقليمي يليق بتاريخها وحجم أحلام شعوبها

مواضيع قد تهمك