فارس الحباشنة : النظام العالمي «الترامبي»
في عام 1989 بالمعول تم هدم جدار برلين. وقبل 37 عاما، حدث سرعان ما طوى صفحة وصورة من ذاكرة التاريخ.
سقط جدار برلين، اختتم القرن العشرين قصة حرب باردة بين حلفي الناتو ووارسو، وبقيادة: الاتحاد السوفيتي وأمريكا.
و
النظام العالمي الذي هدم على أسوار جدار برلين بُني على آثار الحربين
العالميتين الأولى والثانية. عاش العالم ما بين الحربين العالميتين الأولى
والثانية وسقوط جدار برلين ثورات وصراعات وحروب أفكار وإيديولوجيات لم
يعرفها العالم من قبل.
نشأ بعد الحرب العالمية الثانية نظام عالمي متوحش واستعماري، وحكم التوازن النووي قواعد اللعبة الدولية.
من
بداية ونهاية الحرب الباردة الرمزية على أسوار جدار برلين، دُمرت دول
وقُسمت دول، وحوصرت دول، وهُجرت شعوب، وأُجهضت أحلام لولادة دول وطنية،
وآمال بالتحرر والسيادة.
ما بعد انهيار جدار برلين دخل العالم في حالة
من السيولة السياسية، وما يشبه في التعويم وأحادية القوة، وعلى مدار حوالي
أربعين عاما. أمريكا فشلت في إثبات قدرتها المنفردة على قيادة وإدارة
العالم، ورغم ما تملك من فائض قوة اقتصادية وعسكرية.
وفي المقابل، فإن
قواعد التعددية القطبية لم تنضج وتتبلور في معادلة القوة الدولية، رغم صعود
الصين وإحياء روسيا في عهد بوتين لحضورها الأوراسي والشرق الأوسطي.
وظهر
الاتحاد الأوروبي كقوة موحدة اقتصاديا وسياسيا، وخصوصا بعد وحدة
الألمانيتين الشرقية والغربية إثر سقوط جدار برلين. مفكرون أمريكيون بشروا
بنهاية التاريخ، وفوكوياما تحدث عن نهاية التاريخ والإيديولوجيا، وحتمية
الليبرالية الرأسمالية الأمريكية، وأنها القوة التاريخية الحقيقية وفرضت
كلمتها في التطور والنهايات التاريخية. اليوم، ترامب يأخذ العلاقة بين
أمريكا وأوروبا الحليف التاريخي إلى مأزق وقطيعة كبرى. وبين مرة وأخرى يذكر
ترامب الأوروبيين بإنزال نورماندي في الحرب العالمية الثانية، وأن أمريكا
حمت أوروبا من الاحتلال النازي والفاشي، وأن أمريكا تحمي اليوم أوروبا من
روسيا والصين، ويؤكد ترامب على أن الأوروبيين عاجزون عن حماية أنفسهم.
وصاغ
ترامب في مجلس السلام، مرحلة جديدة في النظام العالمي، وعبّر عنها بوضوح
جلي في مؤتمر دافوس، وحيث تحدث عن أمريكا أولا وأمريكا العظيمة عسكريا
واقتصاديا.
ووضع النظام العالمي أمام أسئلة اختبار تستهلك مقومات وأسس
العلاقات الدولية في مرحلة ما بعد جدار برلين، وتقوض التوازنات الدولية،
ودون اعتبار لأي نفوذ دولي ينافس أمريكا ويضاهي قوتها وجبروتها في حسم
الحروب وتقرير مصير الحكام والدول والشعوب.
النظام العالمي الموروث من بعد جدار برلين يتهاوى، ويتساقط على أطلاله، ويؤسس ترامب لنظام عالمي جديد.
من
أزمة كورونا فتح ترامب في عهد رئاسته الأولى شرخا في العلاقة الأمريكية /
الأوروبية، ولم تُبدِ أمريكا استعدادا للتعاون الصحي مع دول أوروبية
روّعتها كورونا، ورفضت الدفاع عن الحلف الأوروبي والتصدي لتداعيات كورونا
صحيا واقتصاديا، وجاءت ردة الفعل الأمريكية في توفير الأمن الجماعي لأمريكا
أولا.
وراحت الشروخ الأمريكية / الأوروبية في التوسع والتضخم، وتداعياتها انفتحت على العلاقات والخيارات الاستراتيجية بين القارتين.
جاءت
حرب أوكرانيا، ودخلت عامها الرابع، ويبدو أن ترامب غير ما يطرح من رغبة
سياسية في وقف الحرب الأوكرانية مع روسيا، إلا أنه لا يمتلك رؤية واضحة لما
بعد الحرب.
و لذا، فإن المخاوف الأوروبية تزداد من سياسة ترامب، والخوف
من هزيمة استراتيجية بالقارة الأوروبية، أن ينفرد بوتين في نصر عسكري في
أوكرانيا يقلب معادلة الأمن الاستراتيجي الأوروبي.
وأوروبا، تنظر إلى
بوتين في عين المبالغة، بأنه يشكل خطرا على الأمن القومي الأوروبي.
والمعضلة الأوروبية اليوم هي نهاية الناتو، الطلاق العلني الاستراتيجي بين
أمريكا وأوروبا، ودون قدرة الأوروبيين على طرح البدائل استراتيجيا. ترامب،
وكما يريد العالم أن يكون، أطلق رصاصة الموت على الأمم المتحدة، ووصفها
بأنها منظمة بيروقراطية لم تفعل شيئا مما استطاع هو إنجازه في سنة حكمه في
البيت الأبيض.
فشل الأمم المتحدة من وجهة نظر ترامب يمهد ويؤسس لدور
كبير لمجلس السلام في النظام العالمي الترامبي، وليكون بديلا للأمم المتحدة
ومجلس الأمن، والمرجعيات الدولية الكلاسيكية.
ما بعد حرب أوكرانيا
والحرب على إيران، ولربما هما عمودا الاستناد في النظام العالمي الترامبي.
وإذا ما أفضت حرب أوكرانيا إلى تحقيق وتثبيت روسيا لأهدافها الاستراتيجية
في أوكرانيا، فإنه يؤذن بروسيا القوية، سيكون لها القرار في النظام الدولي
الجديد. وأما السيناريو المعاكس، فيعني انكفاء روسيا وتقلص نفوذها الأوراسي
و الدولي، وحصر نفوذ مشروع بوتين القومي، وإنتاج طبقة حكم روسية قريبة لأمريكا.
و
كما أن الحرب على إيران تقرر صورة أمريكا في المسرح الإقليمي والعالمي.
ويبدو أن أمريكا حسمت خيارها، وقررت خوضها، ولربما أن حرب إيران تشكل تحديا
لقوة أمريكا وصورتها، والاستفراد وفرض ما تريد في العالم، وحيثما تريد
شرقا وغربا وشمالا وجنوبا.
وما يتقاطع بالإلحاح مع رغبة نتنياهو لإرباك
الإقليم سعيا وراء النصر الإسرائيلي المطلق. ومن المستبعد أن تبرز قوى كبرى
كالصين أو روسيا ودول وسطى للقيام بدور مضاد للسياسة والبلطجة الأمريكية.
إنها
حتما الفوضى الأمريكية، والشرق الأوسط مقبل على مفترق قاتم وخطير.. فما
تريده أمريكا، إما شرق أوسط إسرائيلي أو الموت للجميع.. وحقيقة استراتيجية
وكل السيناريوهات تتحرك في فضائها، سواء لتداعيات الحرب المنتظرة على إيران
أو مصير غزة أو ما يجري في سورية ولبنان، وحروب وصراعات الإقليم والعالم.