لما جمال العبسة : هل بات الأردن ممراً إقليمياً للطاقة؟
في وقت تتشابك فيه الأزمات السياسية مع التحديات الاقتصادية، يخطو الأردن
خطوات استراتيجية في قطاع الطاقة، ليعيد صياغة دوره الإقليمي عبر اتفاقيات
مهمة مع سوريا ولبنان، هذه الاتفاقيات لا يمكن النظر إليها بوصفها عقوداً
تقنية فحسب، بل هي انعكاس لرؤية أوسع تجعل من الأردن ممراً للطاقة ومركزاً
للتكامل الاقتصادي في المشرق العربي، وتمنحه وزناً يتجاوز حجمه الجغرافي.
الاتفاق
مع سوريا أمس جاء في لحظة حرجة، حيث يعاني فيه قطاع الكهرباء السوري من
انهيار شبه كامل، وتوريد الغاز الطبيعي عبر الأردن وإعادة ربط الشبكات
الكهربائية يشكلان شريان حياة يعيد تشغيل محطات رئيسية ويمنح الاقتصاد
السوري فرصة للتنفس، وفي هذه الخطوة الأردن لا يقدم خدمة فنية فقط، بل يرسخ
مكانته كجسر يربط بين دول الجوار، ويؤكد أن الطاقة يمكن أن تكون أداة
لإعادة بناء الثقة والاستقرار.
أما مع لبنان، فقد فتح الأردن باباً
واسعاً للتعاون عبر مذكرة تفاهم تشمل الكهرباء والغاز والطاقة المتجددة،
فلبنان الذي يواجه أزمة كهرباء مزمنة يرى في الأردن شريكاً موثوقاً قادراً
على تقديم حلول عملية ودعم فني، وهو ما يعزز صورة الأردن كدولة ذات خبرة
متقدمة في إدارة الموارد، ويمنحه دوراً مؤثراً في معالجة واحدة من أعقد
أزمات المنطقة.
بالتأكيد ان المملكة من خلال هذه الخطوات تحقق مكاسب
استراتيجية تتجاوز الجانب الاقتصادي المباشر، ذلك أنها تعزز من أمنها
المالي عبر رسوم عبور الغاز والكهرباء، وتكرس دورها السياسي كوسيط إيجابي
بعيداً عن الاستقطاب، وتفتح المجال أمام استثمارات جديدة في البنية التحتية
والطاقة المتجددة، الأهم من ذلك أنها تضع نفسها في قلب شبكة إقليمية تربط
الخليج بالمشرق، وتفتح آفاقاً للتعاون مع أوروبا مستقبلاً.
إن أهمية هذه
الاتفاقيات تكمن في أنها تمنح الأردن دوراً أكبر من حجمه الجغرافي، وتجعله
لاعباً رئيسياً في معادلة الطاقة الإقليمية، ودائما في زمن الأزمات يثبت
الأردن أن الطاقة ليست مجرد كهرباء وغاز، بل سياسة واقتصاد وأمن إقليمي.
يمكن
القول إن الأردن عبر هذه الاتفاقيات يكتب فصلاً جديداً في تاريخه
الاقتصادي والسياسي، فصلاً يضعه في موقع الريادة كدولة صغيرة بحجمها، كبيرة
بأثرها، تتحول إلى ممر استراتيجي للطاقة في المنطقة، إنها لحظة فارقة تؤكد
أن الاستثمار في الطاقة هو استثمار في المستقبل، وأن الأردن قادر على
تحويل التحديات إلى فرص، والأزمات إلى إنجازات، ليبقى حاضراً في قلب المشهد
الإقليمي كقوة توازن واستقرار.