الأخبار

علاء الدين ابو زينة : حرية "العصر الحجري"..!

علاء الدين ابو زينة : حرية العصر الحجري..!
أخبارنا :  

«حضارةٌ بأكملها ستموت الليلة، ولن تعود إلى الوجود مرةً أخرى أبدًا».
- دونالد ترامب، من تغريدة على «تروث سوشال»
* * *

ثمة إغراء فلسفي في تأمل فكرة العودة إلى «العصر الحجري» باعتباره زمناً «أكثر حرية». وفي تصوّرات جان جاك روسو، ثمة «الإنسان الطبيعي» الذي لم تفسده بعد قيود المجتمع، وحيث الحرية أقرب إلى معنى غياب السلطة والتعقيد. وتنطوي الفكرة على توقٍ معاصر إلى التحرر من الاغتراب والهيمنة برغبة العودة إلى صورة «رجل الكهف» السينمائي، صاحب الشعر الأشعث والهراوة ذات النتوءات المدببة، الذي يعيش يومًا بيوم ويذهب بحثًا عن طرائده بلا إشارات مرور، ولا شرطة مكافحة شغب، ولا من يسأله عن بطاقة هوية، ولا يخضع لأي قوانين-سوى قانون البقاء.
ربما يكون هذا هو التفسير الوحيد الممكن للوعد الذي قدمه دونالد ترامب للإيرانيين بتحريرهم- بإعادتهم هم وبلدهم إلى العصر الحجري بالضبط. وهو يعبّر في الحقيقة عن منطق أصبح مألوفًا في التفاعلات الدولية–خاصة مع منطقتنا- يُقدّم فيه التدمير الشامل كمقدمة لا بُدّ منها للتحرر: سندمّر لكم رموزكم التاريخية، ومقدّراتكم المادية، ونسوي لكم وطنكم بالأرض حتى تتمكنوا من البناء «على نظافة»! أو سلِّمونا مفاتيح بلدكم وسنسمح لكم بالبقاء، بل وستزدهرون. والمفارقة هو أن ثمة مَن يشترون هذا «المنطق» ويدافعون عنه، ويسوّقونه.
ثمة مقال كتبته صحفية وأكاديمية إيرانية في الأسبوع الثالث من الحرب على إيران، يندرج في إطار مناقشة فكرة القبول بحرب خارجية مدمرة على بلد تحت عنوان تحرير مواطنيه من نظام غير ديمقراطي. الكاتبة هي ناهِد سيامدوست، الأستاذة المساعدة في دراسات الشرق الأوسط بجامعة تكساس. وعنوان المقال هو: «نقاش مُعذَّب بين الإيرانيين» An Anguished Debate Among Iranians، نشر في مجلة «نيو لاينز» الأميركية في 23 آذار (مارس).
تلقت سيامدوست، كما تكتب، رسائل من أقارب ومعارف من داخل إيران تعبّر عن استعداد صادم لدفع «الثمن» مقابل إسقاط النظام. كتبت إحدى صديقاتها: «نحن مستعدون لدفع الثمن لكي تختفي الجمهورية الإسلامية… إمّا أن ننتصر أو نُدمَّر». ويعبر هذا الموقف عن حالة نفسية جماعية، بلغ فيها اليأس حدّ قبول الفناء كبديل للاستمرار. حالة يتحول فيها «التحرر» من مشروع حياة إلى مقامرة وجودية.
ولا ينفصل هذا الموقف عن السياق الإيراني الذي تصفه الكاتبة: ثمة عقود من القمع الداخلي، وفشل الإصلاح، وانسداد الأفق السياسي. لكنّ سيامدوست لا تغفل عن الإشارة المهمة إلى أن هذا اليأس لم يتشكل داخليًا فقط، وإنما ساهمت في إنتاجه سياسات خارجية، من بينها انسحاب إدارة ترامب من «الاتفاق النووي»؛ الانسحاب الذي قوّض- كما تُلاحظ- جهود القوى الإصلاحية داخل إيران، وعزّز خطاب المتشددين القائل بعدم جدوى الانفتاح على الغرب.
وفي هذا السياق، يكون التهديد بـ»إعادة إيران إلى العصر الحجري» امتدادًا منطقيًا فقط لمسار طويل من السياسات الأميركية التي ساهمت في تفكيك المجتمع الإيراني- اقتصاديًا وسياسيًا، ونفسيًا. ومثلما يحدُث في كل مكان تريد أميركا أن «تحرره»، لم تُفضِ العقوبات التي «أفقرت الإيرانيين العاديين» إلى إسقاط النظام، وإنما فاقمت وعمقت فقط معاناة المجتمع كُله. ومع ذلك، يُعاد اليوم تقديم التدمير العسكري الكامل للبلد باعتباره الحلّ النهائي لكل المشاكل.
كان أهم ما لاحظته سيامدوست هو الانقسام الأخلاقي حول الحرب داخل المجتمع الإيراني نفسه، خصوصًا بين الداخل والشتات. هناك في الداخل من يرون أن دعم الحرب على بلدهم يصبح واجبًا على الإيرانيين في الخارج إذا كان «الناس في الداخل» يؤيدونها. هذه الفكرة- كما تشير- تحوّل التضامن إلى «تنازل عن الحكم الأخلاقي».
حسب الكاتبة، أصبح السؤال عما إذا كان لدى الإيرانيين في الشتات مشروعية للتمسك بمواقف مناهضة الحرب بينما لا يتحملون تبعات الحرب مباشرة، جزءًا أساسيًا من النقاش المعذّب. وتكتب عن فيديو لمؤثرة في لوس أنجيلوس، تارا غرامي، تقول فيه إنها– رغم قناعتها الراسخة المناهضة للإمبريالية- أصبحت تتفهم دعم بعض الإيرانيين للحرب. وقد تغير موقفها، كما تقول، بعد قمع الحكومة للاحتجاجات أواخر العام الماضي، والصور القادمة أخيرًا من إيران لأشخاص يحتفلون بقصف بلدهم. ولكن، في سيل الردود المؤيدة، كما تلاحظ الكاتبة، ثمة رد واحد، من الموسيقية الإيرانية أعظم علي، «طرَح السؤال الذي لم يقدّم أحد من أنصار الحرب جوابًا مُرضيًا عنه: «بما أنكِ تصالحتِ مع ضرورة الحرب، كم من المعاناة أنتِ مستعدة لتحمّلها قبل أن ترفضي الاستمرار في دعمها»؟ وهو، في رأي سيامدوست، «ليس سؤالًا بلاغيًا. إنه السؤال».
في الإجابة، تلاحظ الكاتبة أن ترامب، صاحب الحرب «فعل ما يفعله دائمًا مهندسو هذا النوع من الخطاب... طمَس الفارق بين نظام الجمهورية الإسلامية والشعب الإيراني». واقتبست من حديث له على متن طائرة قوله إن «الإيرانيين «هم في الحقيقة أمة من الإرهاب والكراهية». وخلصت إلى أنه «بالنسبة لنا، نحن الذين نعيش في الولايات المتحدة- وقد شهدنا في الزمن الحقيقي تفكيك المعايير الديمقراطية على يد هذه الإدارة، ورأينا الإبادة التي ترتكبها إسرائيل في غزة وجرائمها في لبنان، ونعيش يوميًا في مناخ سياسي مشبع بالإسلاموفوبيا وكراهية إيران، حيث يُصوَّر أمثالنا على أننا أهل «كراهية وإرهاب»- فلا يمكننا، بضمير حي، أن نتعامل مع الحرب الراهنة بوصفها وسيلة للتحرر».
ولم تنسَ سيامدوست الإشارة إلى التماهي بين خطاب داعمي الحرب على بلدها مع خطاب قادة الكيان الصهيوني، كسبب للشك في وجاهة موقفهم. وتخلص إلى أنه مهما كان نوع النظام وقسوته، فإن «التفكيك الكامل لدولة عاملة... من دون أي خطة موثوقة لما سيأتي، لن ينتج ديمقراطية بمعجزة، وإنما دمار مُصمم، مقصود ومبيت» فحسب. ــ الغد

مواضيع قد تهمك