د. ماجد الخواجا يكتب : تذكر من أنت.. كوب القهوة الورقي هو ما تستحقه
د. ماجد عبدالعزيز الخواجا
عمان بوست – بقلم د. ماجد عبد العزيز الخواجا
كان أحد كبار المسؤولين المتقاعدين حديثا، يلقي محاضرةً أمام مئات من الحضور في مؤتمر، كان واقفاً عل المنصة يلقي خطابه، وبينما يتحدث كان يرتشف القهوة في كوب ورقي، تأمل الكوب ونظر للأسفل وهو يبتسم. أهمل خطابه المعدّ مسبقاً للمؤتمر للحظات، وارتجل كلمات حيث قال: تعلمون أنني في العام الماضي كنت أحد كبار رجال الدولة المهمين، وتحدثت في ذات الموعد والمناسبة والمكان، لكن في العام الماضي حجزوا لي بدرجة رجال الأعمال، وأوصلني عديد من الموظفين للمطار، وتم تنسيق استقبال حافل من المطار للفندق، ورتبوا لي كافة الإجراءات من أجل استلامي للجناح الخاص بي، ورافقني مرشد في وصولي للجناح، وفي الصباح عندما نزلت للأسفل، وجدت شخصا ينتظرني في اللوبي، ورافقني لتأمين وصولي عبر المدخل الخلفي الخاص بغرفة التحضير قبل الولوج لمسرح المؤتمر، وناولني القهوة في كوب مزخرف من الخزف الأنيق الجميل، والان لم أعد ذاك المسؤول الهام، فقد أتيت بالدرجة السياحية الاعتيادية للطائرات الاقتصادية، ولم يكن ينتظرني أحد في المطار، واستقليت سيّارة أجرة للفندق، وأنهيت إجراءات استلامي للغرفة البسيطة بمفردي، وأخذت سيارة ثانية للوصول لقاعة المؤتمر، مشيت للمدخل الرئيس ووصلت دون مساعدة من أحد لكواليس المسرح، وعندما سألت أحد الأشخاص: هل تتوفر لديكم القهوة، أشار لماكينة القهوة في الزاوية، أعددت القهوة بنفسي وأخذتها في كوب ورقي.
العبرة: إن كوب القهوة المزخرف الخزفي لم يكن لي، بل للمنصب الذي أستحوذه وكنت أتولاه، أنا أستحق قهوة بكوب ورقي، كلنا نستحق كوب ورقي، كلما كنت شخصاً ناجحاً وتبلي بلاء حسناً في الحياة، سوف يتم منحك العديد من الامتيازات، الناس سينادونك سيدي، عطوفة ومعالي، سوف يحملون حقائبك ويفتحون لك الأبواب، ويحضرون لك كوب الشاي الفخم دون انتظار طلبك له، ويستقبلونك ويودعونك بكل الحفاوة والترحاب، لكن في الحقيقة لست أنت المستهدف. إنه منصبك الذي أنت فيه. وعندما تستمر الحياة، سوف يمنحون تلك الامتيازات للشخص الذي حلّ محلك في المنصب.
فلا تنس أبداً أنك تستحق كوب ورقي فقط. كلنا نستحق الكوب الورقي، هناك الكثير ممن يتم الإستغناء عنهم، وإبعادهم عن مناصبهم، يصابون بانتكاسة ورفض للحقيقة تصل ببعضهم لدرجة الانعزال عن العالم، منهم من يدخل في عالمه الخاص، أو يعلن تمرّده ومعارضته، أو لا يصدّق أنه أصبح خارج نطاق المنصب وصلاحياته.
لقد عاصرت عديداً من الزملاء الذين لم يقبلوا بفكرة التقاعد وبشكل أدق فكرة الإبتعاد عن كرسي المسؤولية، فكان أحدهم يأخذ معه مفاتيح المكتب أو بعض الأجهزة الخاصة بالعمل أو الملفات. ويظلّ لفترةٍ رافضاً تسليمها، ورافض لإستكمال أوراق تقاعده.
هناك من يظلّ مرتدياً عباءة وهمية تشبه ذات العباءة في موقع المسؤولية، ويتعامل مع البشر بشخصيته الوظيفية السابقة.
إن ثقافة التقاعد لم تكن يوماً مبنيةً عل أنها تكريم ومكافأة لنهاية الخدمة، وأنها ليست عقوبة ولا انتقاص من قيمة ومكانة المتقاعد. حيث تجيء كنوعٍ من المداهمة غير المتوقعة، ناهيك عن انخفاض حاد في الراتب الذي هو المصدر الأساس وربما الوحيد للإعالة والمعيشة، ونظراً لشيوع ثقافة احترام المنصب والموقع، وليس لذات الشخص وتفانيه وإخلاصه، فيتم تعريته وقبل أن يستلم كتاب تقاعده من كل تلك الهيبة والمكانة والإعتبار الوظيفي عند باب مكتبه، بحيث لو عاد في اليوم التالي لما وجد أحداً ممن كانوا يقفون في طابور مهيب لاستقباله أو الترحيب به.
أذكر مديراً عاماً رفض فكرة إحالته للتقاعد، فاستمر طيلة شهور وهو يزور يومياً مكان عمله، بذريعة التحقق من استكمال المشاريع والبرامج التي كانت في عهده. ومع مرور الأيام، وصل الحال أن أصبح خليفته يطلب من مدير المكتب عدم استقباله بشكل لائق وأن يعتذر له بعدم إمكانية اللقاء به، لا بل أن المراسل لم يعد يقدّم له كوب الشاي أو القهوة، وتم التعميم في جميع الأقسام بعدم التعاون والترحيب بالمدير المتقاعد، وعدم تزويده بأية معلومات عن العمل.
وأذكر زميلاً حمل معه اللاب توب الخاص بالعمل وعليه كافة الملفات الحاسوبية ضمن نطاق اختصاصه وصلاحياته، ولم يقم بإعادة تسليم ما لديه إلا بعد فترةٍ طويلة عندما تدخل زملاء بمرتبة أصدقاء له.
وهناك من رفض فكرة إعادة أجهزة حاسوب وموبايلات كانت في عهدته بحكم منصبه،لتجري مفاوضات وتسويات من أجل حلّ المشكلة.
هناك من حمل مفاتيح المكاتب والأقسام ورفض تسليمها. وكثيرة هي الحكايا والقصص المشابهة التي تدلل بأن ثمة إشكالية في الفهم والثقافة السائدة للتقاعد أو الإستغناء عن المنصب.
إنني ممن عوقب باستخدام التقاعد كعصا قاسية وغليظة ومعيبة، عندما تمت إحالتي للتقاعد دون انطباق الشروط الواجبة له، لكن صاحب القرار أراد أن يمارس عنجهية وصلافة وظيفية إدارية لمجرّد الرغبة بالتخلّص من موظف مزعج في نظره، فكان أن مرر كتاب التقاعد في ممرات الرئاسة وفي عزّ انتشار كورونا، ومع إعلان الحكومة حينها بوقف التعيينات ووقف التقاعدات، لكن رعونة صاحب القرار أعمت بصيرته، وحمل كتاب التقاعد ليوقعه من مجلس الوزراء بالتمرير. والحديث يطول.
إن حالات كثيرة تم توجيه كتب التقاعد لهم وتسليمهم نسخته مع نهاية دوام يوم الخميس، فيما يكون الموظف غارق في عمق العمل والمهام، ولا يدري كيف تخلت عنه الحكومة بهذه الطريقة. طريقة تدلل بأن الفهم الوظيفي قاصر عن إيصال فكرة التقاعد بشكل سلس وواقع وحق، لا عقوبة أو سلطة ينتهزها صاحب القرار ويسخّرها لغايات ثأرية ومنافع شخصية.
https://amman-post.com/?p=7730