د. يوسف منصور : معدلات البطالة والمشاركة في سوق العمل
غالباً ما يتركز النقاش الاقتصادي في الأردن حول رقم واحد: معدل البطالة. وعندما يقال إن البطالة تقارب 21%، يبدو وكأن هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه الاقتصاد. لكن هذه النظرة، رغم أهميتها، تخفي وراءها حقيقة أعمق: المشكلة الحقيقية ليست فقط في عدد العاطلين عن العمل، بل في عدد من هم خارج سوق العمل أساساً. وهنا يظهر مفهوم أقل تداولاً لكنه أكثر أهمية: معدل المشاركة في القوى العاملة.
يكمن الفرق بين معدل البطالة ومعدل المشاركة في القوى العاملة في من يتم قياسه مقارنةً بإجمالي السكان. البطالة تخبرنا كم شخصاً لا يعمل، لكن معدل المشاركة يخبرنا كم اقتصاداً لا نستخدمه بعد. وفي حالة الأردن، ورغم أهمية المؤشرين معاً، فإن معدل المشاركة في القوى العاملة يُعد غالباً التحدي الهيكلي الأكثر أهمية للتنمية طويلة الأجل.
فمعدل البطالة يقيس نسبة الأفراد ضمن القوى العاملة الذين لا يعملون لكنهم يبحثون عن عمل بشكل نشط. ويشمل فقط الأشخاص الذين يعملون أو يبحثون عن عمل، أي أنه لا يشمل من توقفوا عن البحث عن عمل، ومن هم خارج سوق العمل (طلاب، ربات منازل، محبطون). أما معدل المشاركة في القوى العاملة فهو يقيس نسبة السكان في سن العمل (15 سنة فأكثر) الذين ينتمون إلى القوى العاملة، أي الذين يعملون أو يبحثون عن عمل (عدد السكان في سن العمل مقسوما على حجم القوة العاملة).
الفرق الأساسي بين المعدلين هو أنه يمكن أن يكون الشخص خارج القوى العاملة (غير نشط) دون أن يُعتبر عاطلاً عن العمل. فعلى سبيل المثال، إذا توقف خريج جامعي عن البحث عن عمل بسبب الإحباط، فإنه لا يُصنَّف عاطلاً عن العمل وفقاً للمعايير الرسمية، بل يخرج من القوى العاملة، مما يؤدي إلى انخفاض معدل المشاركة.
لماذا يُعد معدل المشاركة أكثر أهمية من معدل البطالة في الأردن؟ رغم أن معدل البطالة في الأردن للأردنيين مرتفع (حوالي 21.4% في أواخر 2025)، إلا أن معدل المشاركة في القوى العاملة يُعد من الأدنى عالمياً، حيث يبلغ حوالي 37% فقط. أي أن حوالي 60% من السكان في سن العمل لا يشاركون في العملية الإنتاجية. مما يجعل معدل المشاركة أكثر أهمية.
يُعد الأردن من بين الدول ذات أدنى معدلات المشاركة في القوى العاملة على مستوى العالم، وخاصة فيما يتعلق بمشاركة النساء. يبلغ معدل المشاركة الكلي في القوى العاملة حوالي 34% إلى 37% وفقاً لأحدث البيانات. أما مشاركة النساء في القوى العاملة فلا تتجاوز 14% إلى 15%، ما يضع الأردن ضمن أدنى خمس دول عالمياً في هذا المؤشر.
تشير تقارير دولية إلى أن الأردن يُصنَّف ضمن أدنى المعدلات عالمياً، ويأتي في بعض التقديرات في المرتبة الرابعة عالمياً من حيث انخفاض مشاركة النساء، كما احتل تاريخياً مراكز متأخرة جداً (حوالي 140 من أصل 142 دولة) في مؤشرات الفرص الاقتصادية للنساء بينما يمتلك الأردن نساءً متعلمات بشكل جيد بل ومتفوق، لكن تدني معدل مشاركتهن في سوق العمل يعني أن حوالي 85% من النساء في سن العمل غير نشطات اقتصادياً، وهو ما يمثل، رغم الاستثمار في التعليم، مورداً بشرياً ضخماً غير مستغل. هذه المفارقة (تعليم مرتفع ومشاركة منخفضة) ليست مجرد خلل اجتماعي، بل خسارة اقتصادية ضخمة.
كما أن انخفاض معدل المشاركة يُخفي ما يُعرف بـ"البطالة المقنّعة". ففي الأردن أصبح حوالي 18% من الأشخاص الذين عملوا سابقاً خارج القوة العاملة، وتصل النسبة إلى 23% عند احتساب من لا يبحثون عن عمل حالياً.
ماذا لو احتسبنا القطاع غير المنظم أيضا؟ فحسب تقديرات مبنية على دراسات محكمة، يوظف القطاع غير المنظم في الأردن 40% – 50% من إجمالي العمالة. يحتسب جزء منها، وجزء آخر لا يحتسب أو ناقص القياس. إذا أُضيفت العمالة غير المحتسبة بالكامل، فإن معدل المشاركة "الحقيقي" قد يرتفع إلى 45% – 50% تقريبا. مما يعني أن الصورة ليست سيئة كليا كما تبين الأرقام الرسمية، وأن الاقتصاد يستخدم عمالة أكثر مما يظهر رسمياً. لكن المشكلة تتحول من "بطالة" إلى انخفاض جودة العمل كون الأعمال غير مستقرة، والإنتاجية منخفضة، والدخل ضعيف، مع غياب الحماية الاجتماعية. حتى لو ارتفع معدل المشاركة في الأردن إلى نحو 50% عند احتساب القطاع غير المنظم، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في عدد العاملين، بل في طبيعة هذه المشاركة، حيث تتركز نسبة كبيرة من العمالة في وظائف غير منظمة ومنخفضة الإنتاجية. وحتى مع احتساب القطاع غير المنظم يبقى الأردن أقل من المعدلات العالمية، (60%)، وأقل بكثير من معدلات مشاركة الدول الناجحة (65–70%).
أيضا، ماذا لو احتسبنا مشاركة العمالة الأجنبية، التي تشارك بشكل رسمي وغير رسمي وتبلغ ( 600 – 800 ألف) أي حوالي %40 -% 30 من إجمالي العمالة في الاقتصاد الأردني؟ إدخال العمالة الأجنبية في الحسابات يرفع معدل المشاركة في الأردن إلى نحو %50 بمعنى أن الاقتصاد الأردني يعمل بمستوى أقل من طاقته الكاملة. لكن هذا يكشف في الوقت ذاته عن اختلال أعمق، حيث يعمل الاقتصاد بجهد غير أردني بدرجة كبيرة، فيما تبقى نسبة واسعة من الأردنيين خارج سوق العمل ليصبح التحدي الحقيقي ليس في حجم النشاط، بل في من يشارك.
أي أننا حتى مع إدخال العمالة غير المنظمة والعمالة الأجنبية، فإن حجم المشاركة لا يزال منخفضا. ما هي أسباب انخفاض معدل المشاركة؟ تشير الدراسات إلى أن انخفاض نسبة المشاركة في الأردن لا يعود أساساً إلى العادات الاجتماعية، بل إلى عوائق هيكلية مثل ضعف وسائل النقل العام، ونقص خدمات رعاية الأطفال بأسعار مناسبة، ومحدودية فرص العمل المرنة. لذلك، فإن معالجة هذه العوائق تُعد الطريق الأكثر فعالية لتحقيق التنمية، مقارنةً بمحاولة خفض البطالة فقط ضمن القوى العاملة الحالية.
إن مضاعفة معدل المشاركة يعد هدفاً رئيسياً في رؤية التحديث الاقتصادي الأردنية، لما له من أثر كبير على الناتج المحلي الإجمالي، الإنتاجية، الإيرادات الضريبية، وتخفيض نسبة الدين الى الناتج. فانخفاض معدل المشاركة في القوى العاملة في الأردن ليس مجرد مؤشر اقتصادي، بل يعكس وجود طاقة بشرية كبيرة غير مستغلة في الاقتصاد. ولهذا السبب، يرى العديد من الاقتصاديين أن التحدي الحقيقي في سوق العمل الأردني لا يقتصر على البطالة، بل يكمن أيضاً في ارتفاع نسبة غير المشاركين اقتصادياً، خاصة من النساء. فإذا كانت البطالة تعكس "حالة الاقتصاد اليوم"، فإن معدل المشاركة يعكس قدرة الاقتصاد على النمو في المستقبل.
يجب
أن نتقبل ظاهرة أن الأردن لا يعاني فقط من بطالة مرتفعة، بل من اقتصاد لا
يستخدم كامل طاقته البشرية. وإذا كان الهدف هو تحقيق تنمية مستدامة، فإن
التحدي الأكبر ليس فقط في توفير وظائف، بل في إدخال وإعادة إدخال مئات
الآلاف إلى سوق العمل. ــ الراي