د. سعود الحربي : مجالس المحافظات بين التجربة والتنظير
في صيف عام 2018م قدر الله لي ان اكون ومجموعة من موظفي القطاع العام من الاردن والاشقاء العرب من مصر وتونس والمغرب وليبيا والجزائر والعراق ولبنان، العاملين في وزارات الداخلية والإدارة المحلية في بلدانهم، مشاركين في اكاديمية لاهاي الدولية بدورة عنوانها الحوكمة المحلية local governance بعد عام من اجراء أول انتخابات لمجالس المحافظات، وكانت الفكرة الرائجة آنذاك انتخاب مجالس للمحافظات موازية للبلديات، وكانت الشعارات المرفوعة حينها المشاركة السياسية والتنموية في صنع القرار السياسي والتنموي من قبل المواطنين المحليين، اضف الى ذلك التوزيع العادل للموازنة على المحافظات وما شاكلها من شعارات.
وكان الترويج لفكرة اللامركزية كوسيله من وسائل الإدارة العامة هي المسيطرة، حتى وصل الشارع الى نقاش مستفيض في العامين 2014م، 2015م التقط فيهما المشرع اسم أول قانون لمجالس المحافظات من افواه الناس واسماه قانون اللامركزية قوامه الانتخاب المباشر من الناخب المحلي.
وللأمانة، فقد كنت من المعارضين لهذه الفكرة برمتها في بدياتها وكان تبريري آنذاك ان الاردن بتقسيماته الإدارية لا يستوجب تطبيق مثل هذه الفكرة، حتى أنى ذهبت في مقال لي 2018م، الى ان يتم المزج بين التعيين والانتخاب في تشكيل هذه المجالس، واشراك رؤساء بلديات المحافظة فيها، وان كان ولا بد من تطبيق هذه الفكرة الحديثة على المنظومة القانونية للدولة.
لكن، ومن واقع تجربة عملية وتماس مباشر مع مجالس المحافظات بعد دورتين انتخابيتين ما يقارب ثمان سنوات في كل من محافظة العاصمة/ سحاب ومحافظة الزرقاء ومحافظة المفرق ومحافظة اربد وجدت ان الفكرة بدأت تنضج وتؤتي ثمارها بجهود شباب منتخب واصل الليل بالنهار، ولمس المواطن مشاريع تنموية ورأسمالية في القرية والمدينة والمدرسة والشارع، حتى ان البلديات بدأت تتجه الى مجالس المحافظات من اجل تحقيق مشاريع معينه.
ومع صدور ونشر مسودة مشروع قانون الإدارة المحلية الحالي 2026م شعرت بسهام الوأد تتجه نحو هذه الفكرة التي بدأت تتبلور على ارض الواقع، ومع هذا الشعور بدأت فكرة أخرى تتعمق في نفسي عن الإدارة المحلية برمتها، وهي ان ألد اعداء الإدارة المحلية واللامركزية الإدارية المحلية، كثقافة مجتمعية في بلدي هم القائمين عليها والمنظرين لها.
ان اخراج مجالس المحافظات بهذه الصورة الواردة في مسودة القانون انما هي قتل لهذه الفكرة التي كانت وما زالت من رؤى جلالة الملك في اوراقه النقاشية، وان رسمنة هذه المجالس ونزع الطابع الشعبي منها يجعلها مجرد ديكور لا لزوم له، واستهزاء بجهود مضنية بذلت في انجاحها وايصالها للصورة البهية التي وصلت اليها.
ان التذرع بتجويد العمل المحلي ابعد ما يكون عن هذه المجالس بهذه الصورة، وانا اقترح اما الغاؤها بالكلية او البناء على التجربة السابقة التي اعتقد انها ناجحة لما لمسناه على ارض الواقع من اضافة كثير من المشاريع في القرى والبوادي والمخيمات والمدن.
ان الحجة بتشكيل مجالس المحافظات من كيانات اخرى منتخبة انما هي التفاف على ارادة الناخب المحلي وحجة واهية، اخيرا يبقى الامل معقودا على مجلس النواب ونقول ختاما ان جوهر اللامركزية الإدارية المحلية هو وجود هيئات محلية منتخبة، اما لا مركزية البلديات فسياتي عنها الكلام في وقته ان شاء الله.