د. جلال الشورة : حسن النية في تنفيذ العقود الرقمية: هل يتغيّر مضمونه في البيئة التقنية؟
يشكّل مبدأ حسن النية أحد المرتكزات الأساسية في نظرية العقد في القانون المدني. فالعقد لا يُنشئ التزامات محددة فحسب، بل يفرض على أطرافه سلوكًا يتسم بالاستقامة والتعاون والامتناع عن استغلال الثغرات على نحو يخل بروح الاتفاق.
وقد ظلّ هذا المبدأ، في البيئة التقليدية، أداة مرنة بيد القضاء لضبط الانحرافات التي لا تبلغ حد البطلان، لكنها تمس عدالة التنفيذ.
غير أن البيئة الرقمية تطرح تساؤلًا حول ما إذا كان مفهوم حسن النية يحتفظ بمضمونه ذاته في عقود تُدار عبر أنظمة تقنية، وتُنفَّذ آليًا، وتُصاغ شروطها بصورة معيارية لا تترك مجالًا واسعًا للتفاوض.
في العقود الرقمية، قد تلتزم المنصة حرفيًا بالشروط المكتوبة، لكنها تستعمل بيانات المستخدم بطريقة توسّعية، أو تغيّر آلية الخدمة بصورة تؤثر فعليًا في مركزه القانوني، مستندة إلى بند عام يسمح بالتعديل. من الناحية الشكلية، لا يوجد إخلال صريح، لكن من الناحية الموضوعية، قد يكون هناك انحراف عن روح الاتفاق.
هنا يبرز دور حسن النية بوصفه معيارًا يتجاوز النص الحرفي إلى الغاية التي قصدها الطرفان عند التعاقد. فالمسألة لا تتعلق فقط بتنفيذ البنود، بل بتنفيذها في إطار من الثقة المشروعة.
البيئة الرقمية تتميز بخصائص تجعل تطبيق حسن النية أكثر تعقيدًا:
أولًا، تنفيذ آلي لا يمر عبر تقدير بشري مباشر.
ثانيًا، تعديلات متكررة في شروط الاستخدام دون تفاوض فردي.
ثالثًا، اعتماد واسع على بيانات المستخدم في صياغة القرارات.
هذه العناصر تثير السؤال: هل يكفي الالتزام الحرفي بالشروط لإثبات حسن النية، أم أن حسن النية في البيئة الرقمية يقتضي معيارًا أوسع يتصل بطريقة إدارة العلاقة التقنية ذاتها؟
إن القانون المدني الأردني، من خلال تأكيده على وجوب تنفيذ العقد طبقًا لما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع مقتضيات حسن النية، يفتح مجالًا لتفسير مرن يسمح بضبط الممارسات التي تتخذ من النص غطاءً لسلوك يخل بالتوازن أو الثقة.
فالتحول الرقمي لا يلغي حسن النية، لكنه قد يوسّع نطاقه. فحسن النية لم يعد يقتصر على الامتناع عن الغش أو التدليس، بل قد يمتد إلى الالتزام بالشفافية الفعلية، وتفادي التعديل المفاجئ الذي يمس جوهر العلاقة، وإدارة البيانات في حدود التوقع المشروع للمستخدم.
غير أن التوسع غير المنضبط في مفهوم حسن النية قد يؤدي إلى عدم استقرار تعاقدي، وهو ما يتعارض مع الحاجة إلى اليقين في المعاملات الرقمية. ومن ثمّ، فإن التحدي لا يتمثل في تضخيم المبدأ، بل في ضبطه بحيث يحمي الثقة دون أن يزعزع استقرار العقود.
ويبقى السؤال المطروح: هل يكفي المفهوم التقليدي لحسن النية لضبط تنفيذ العقود الرقمية، أم أن البيئة التقنية تستدعي قراءة أكثر دقة لالتزامات الثقة والشفافية والتوقع المشروع؟