أ. د. سلطان المعاني : حقائق وتكهنات وراء الحرب الدائرة في الشرق الأوسط
حين
تُقرأ الحرب الجارية في الشرق الأوسط من سطحها العسكري وحده، تبدو سلسلةً
من الصواريخ والغارات والبيانات المتلاحقة، غير أنّ القراءة الأعمق تكشف
طبقاتٍ أثقل، لأنّ ما يجري حتى 25 آذار 2026 تجاوز حدود اشتباكٍ موضعي،
واتسع إلى حرب إقليمية ترتبط بغزة، وبإيران، وبمستقبل لبنان، وبأمن الخليج،
وبممرات الطاقة العالمية في وقت واحد. فالمعطى الثابت اليوم أنّ المواجهة
الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، التي تشير تقارير رويترز إلى انطلاقها في
28 شباط 2026، دفعت المنطقة إلى مرحلة جديدة من التوسع العسكري مع آلاف
الغارات وتنامي الخسائر البشرية واستمرار الضربات في غزة ولبنان وتفاقم
الضغط على المدنيين والبنية الإقليمية معًا. وفي غزة نفسها تواصل الأمم
المتحدة الحديث عن احتياجات إنسانية متفاقمة وعن قيود على الإغاثة وعن
إصابة مناطق مدنية بالقصف، بما يؤكد أنّ الجرح الفلسطيني ما يزال مركز هذه
الدوامة كلها حتى مع انتقال النار إلى خرائط أوسع.
وتقول
الوقائع الصلبة إنّ الحرب تدور حول أربعة عناوين كبرى، البرنامج النووي
الإيراني والمنظومة الصاروخية وشبكة الحلفاء المسلحين في الإقليم والسيطرة
على الممرات البحرية التي تمسك بأسعار العالم. فمضيق هرمز يمر عبره نحو
خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، وقد تعرضت الحركة فيه لاضطراب واسع دفع
عدة دول إلى طرح ممر بحري آمن لإنقاذ نحو عشرين ألف بحّار عالقين في
الخليج، كما دفعت كبرى شركات الشحن إلى تحويل مساراتها بعيدًا عن قناة
السويس وباب المندب حول أفريقيا، وهو تحول يختصر مقدار الرعب الذي أصاب
التجارة الدولية من امتداد الحرب إلى البحر والطاقة والتأمين والنقل. ومن
هنا يمكن فهم القفزات الحادة في أسعار النفط خلال الأيام الماضية، ثم
تراجعها السريع مع كل إشارة إلى هدنة محتملة، لأنّ الأسواق صارت تتعامل مع
الشرق الأوسط على أنّه غرفة تحكم في الاقتصاد العالمي كله.
وفي
موازاة الميدان تمضي الدبلوماسية في خط مكسور ومتوتر. فواشنطن طرحت، وفق
رويترز وأسوشيتد برس، مقترحًا من 15 نقطة لوقف القتال وفتح باب التفاوض،
بينما تنفي طهران وجود مفاوضات مباشرة، وتتمسك بشروط أكثر صلابة تشمل إنهاء
الحرب وضمانات من هجمات لاحقة وتعويضات مع رفض المساس ببرنامجها الصاروخي.
وهذا يعني أنّ الحرب تحمل وجهين في اللحظة نفسها وجهًا عسكريًا يضغط
بالنار ووجهًا سياسيًا يضغط بالشروط، وأنّ كل طرف يحاول الذهاب إلى الطاولة
من موقع قوة أكبر. وتكشف هذه الازدواجية أنّ الحديث عن حسم قريب يبدو
سابقًا لأوانه، لأنّ الأطراف الكبرى ما تزال ترى في الوقت أداة تفاوض، وفي
التصعيد وسيلة لتحسين الشروط وفي استنزاف الخصم مدخلًا لصياغة ترتيبات ما
بعد الحرب.
أمّا التكهنات التي
تُملأ بها الشاشات والصالونات السياسية، فتدور حول عناوين أوسع من المعلن،
تغيير النظام في طهران إعادة تشكيل الإقليم فرض تسوية كبرى على الفلسطينيين
أو صناعة شرق أوسط جديد بقواعد ردع وتحالفات مختلفة. هذه التكهنات تحمل
قدرًا من الجاذبية لأنّ حجم النار يوحي بمشروعات أكبر من عنوانها المباشر،
غير أنّ ما تسنده الوقائع المتاحة حتى الآن أقرب إلى هدف مركّب تقليم
القدرة الإيرانية على تهديد إسرائيل والخليج وتقليص وزن الوكلاء المسلحين
في لبنان وغزة وفرض هندسة أمنية جديدة يكون فيها السلاح الثقيل والممرات
البحرية والحدود تحت رقابة أشد. وفي هذا السياق تبدو غزة جزءًا من سؤال
أكبر عن الجهة التي ستحكم القطاع، كما يبدو لبنان جزءًا من سؤال الدولة
والسلاح، بعد أن تحدثت رويترز عن استمرار الضغط على حزب الله، وعن صعوبة
نزع سلاحه تحت القصف، وعن محاولات رسم ترتيبات أمنية جديدة على الحدود.
إنّ
ما وراء الحرب الجارية ليس سرًا واحدًا مخفيًا بقدر ما هو صراع مفتوح على
من يكتب قواعد المنطقة في العقد القادم ويملك قرار الحرب ويضمن مرور النفط
ويحدد سقف القوة الإيرانية، ومن يرسم مستقبل غزة ولبنان بعد هذا الخراب.
وبين الحقائق الصلبة والتكهنات المتكاثرة تبقى الحقيقة الأشد قسوة أنّ
المدنيين هم الذين يدفعون الكلفة الأعلى، وأنّ الشرق الأوسط يدخل مرة أخرى
مرحلة يعاد فيها ترتيب التوازنات الكبرى فوق أنقاض المدن المرهقة
والاقتصادات المنهكة والذاكرة المثقلة بالفقد.