الأخبار

وميض الكلمات....وضرام القتال وسلاح السرديات ودمار الأبجديات ( الحلقة 2 )

وميض الكلمات....وضرام القتال وسلاح السرديات ودمار الأبجديات ( الحلقة 2 )
أخبارنا :  

الصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني الحالي أنموذجاً

اللواء الركن السابق

الدكتور محمد خلف الرقاد *

الحلقة (2)

تناولنا في الحلقة الأولى كيف أن الحروب أصبحت تُخاض ليس فقط في ميادين القتال وأطر العمليات العسكرية على الأرض، وفي مجالات الحرب النفسية والعمليات النفسية، بل تجاوزت ذلك إلى آفاق أرحب وأخطر إلى الفضاء الإدراكي للعقل البشري الذي أصبح يتحكم في كيفية تحديد فهم العالم لما يحدث ؟، ولماذا يحدث ؟، وفي هذه الحلقة سنتناول كيفية صعود بعض المفاهيم الجديدة التي عملت على إعادة صياغة مفاهيم القوة بصياغات جديدة مثل مفهوم» القوة الإدراكية»،و(السردية) حيث أصبح الإدراك قوة والسردية سلاحاً.

لقد تغيّرت الظروف، وتنوّعت أشكالُ القوة، حيث إنه من المعروف تقليدياً أن مفهوم القوة مرتبط بقدرة الخصم على فرض إرادته على خصمه وإخضاعه بالقوة والإكراه المادي، غير أن ظروف الحروب والصراعات المسلحة قد تغيّرت وتنوّعت، حيث صعدت مفاهيم جديدة عملت على إعادة صياغة مفاهيم القوة بصياغات جديدة مثل مفهوم» القوة الإدراكية»، والتي تعني القدرة على التأثير في كيفية توجيه وصياغة فهم الآخرين للواقع، فالانتصار في الحرب لا يتوقف عند تحقيق النصر المادي فقط، بل على المنتصر أن يقنع الآخرين بأن نصره مستحقٌ ومشروع، ففي الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية الجارية في هذه الأثناء تجسد الولايات المتحدة الأمريكية - في السياق الآنف الذكر- النصر عبر خطاب سياسي إعلامي يربط تدخلاتها في الحرب بقيمٍ عالمية مثل ضرورة الاستقرار،الديمقراطية، وحقوق الإنسان، بما يضمن لها شرعية دولية في التدخل، بمعنى أن الاستراتيجية الإعلامية الأمريكية الحالية تعتمد على السعي للهيمنة على الإعلام الدولي من خلال توظيف الخطاب السياسي الإعلامي الحريص على الديمقراطية، واستخدام الإعلام والاتصال الاستراتيجي كأداة لتبيت سرديتها التي تحاول إثبات شرعية هذا المنهج الذي تتبعه الولايات المتحدة في التدخل، ومشروعية القرارات التي تتخذها تجاه التدخل السياسي أو العسكري في سياسات وسيادة الدول الأخرى، فيما تستند الاستراتيجية الإعلامية الإسرائيلية إلى التركيز على الأمن، وأنها تتعرض لتهديد وجودي، لذا فهي تسعى إلى توظيف إعلامها وإعلام أصدقائها الغربيين لتحقيق مصالحها وأهدافها العليا، لذا نجد أنها تعتمد على إطار أمني يقدم أفعالها وسلوكياتها على أنها ضمن منطق الدفاع عن النفس، الأمر الذي يتيح لها فرصاً لكسب مساحات أوسع من التعاطف الغربي، فيما سعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ زمن من أجل تطوير وتجويد سردية مضادة للسردية الإسرائيلية، حيث وضعت نفسها في موضع المقاومة في مواجهة الهيمنة، وقد وظّفت لذلك مزيداً من المنصات الإعلامية البديلة والشبكات الرقمية العابرة للحدود.

وفي إطار الصراع بين الدول فقد تم التركيز على ترسيخ مبدأ من يملك السردية الأقوى والأكثر تماسكاً، وعلى من يملك القدرات الفنية والتقنية لنشرها فهو الذي سيحقق الفوز في المعركة، ويحق له أن يعلن النصر على الخصوم.

الإعلام الرقمي يعيد صياغة التأثير.

في ظل تنامي دور الإعلام الرقمي الجديد طرأ تغيّرٌ مهم وخطير على كيفية صياغة التأثير الإعلامي، وتعزيز قدراته على إحْداثِ التغيير، حيث أصبح الإعلام الرقمي أكثر قدرة على صياغة السردية التاريخية، واستغلت الدول المنخرطة في الصراعات هذه القدرات وبخاصة مع تنامي دور خوارزميات الذكاء الاصطناعي والفرص لتوظيف الإعلام الرقمي التوظيف الأمثل ليخدم مصالحها العليا، بالإضافة إلى استخدامه لتثبيت حقوق تاريخية تدّعي أو تحاول إثبات أنها لها، الأمر الذي ينعكس في تجسيد صورة ذهنية لدى الجماهير المستهدفة لتصبح عنصراً من عناصر قوة الدولة وسرديتها، وإقناع الآخرين بأنها هي من حقق الفوز ومن ربح المعركة، وإن ما حققته ووصلت إليه هو نصر مستحق لها ولشعبها.

وهنا.. فإذا كانت سردية هذه الدولة هي الأقوى فإنها ستخلخل رواية الخصم، لا بل ستحطم صورته في ذهن الجمهور المستهدف، وبذلك تعزز من تشكيل الرأي العام الذي يعد تياراً جارفاً سيغرق سرديات الخصم، وربما سيذهب إلى أبعد من ذلك بحيث يصل إلى مرحلة بث الفرقة في التركيبة المجتمعية في دولة الخصم لانكشاف كذب سرديته الضعيفة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن منصات التواصل الاجتماعي كوسيلة من وسائل الإعلام الرقمي الجديد قد تشكل أداة أكثر أهمية في قلب المعادلة من خلال بث الفرقة في صف الخصوم، بل ستعمل على إرباك التوجهات السياسية والعسكرية لدى أحد أطراف الصراع، مما يؤدي إلى تشتيت المواقف السياسية والعسكرية بين مؤيد ومعارض، ويقود إلى إضعاف سرديات ومواقف الخصم، وتوصلها إلى مرحلة الهشاشة التي توصل إلى ما هو أكثر خطورة وهي مرحلة الانكسار السياسي والعسكري، حيث لم تَعُدْ المؤسسات المدنية والعسكرية وحدها هي القادرة على تحديد وتقييد ما يمكن أن يُسْمَع او يُرى ويُشاهد، وما يمكن أن يُحْجَب عن الجمهور المستهدف، حيث يخلق هذا الوضع بيئة إعلامية حربية معقدة يتكون فيها الشركاء والفاعلون من الحكومات والشركات والتقنيات ووسائل الإعلام والاتصال الاستراتيجي سواء أكان تقليدياً أم جماهيرياً أم إعلاماً رقمياً أم وسائل تواصل اجتماعي، فكل هؤلاء الفاعلين يسهمون بشكل أو بآخر في صناعة وصياغة السرديات، ويعملون على تداولها ونشرها، وعلى أرض الواقع يمكن القول أن التحول الرقمي أنهى عصر احتكار السلطة للمعلومة وللسردية المرادة، لكن أسهم في إعادة تشكيل التأثير دون إلغائه.

وهنا فإن الدول التي تملك المال والتقنيات، وتتقن استخدام الخوارزميات، ولديها القدرة على تفهم آليات الانتشار، وتملك السيطرة على مخرجات الذكاء الاصطناعي... يصبح بإمكانها أن تضخم سردياتها، وتصيغ رسائلها الإعلامية بتماسك، وتنشر منجزاتها العسكرية، وتعزز علاقاتها السياسية والدبلوماسية على نحو يفوق إمكانات الذكاء البشري، لكن ينبغي الحذر هنا من أن الفضاء الرقمي الذي وفّر كل هذه الإمكانات قد يفتح الباب واسعاً أمام عمليات التضليل الإعلامي، والتلاعب بالمحتوى الإعلامي من خلال محاولات صناعة حقائق بديلة قادرة على تحطيم رواية وسردية الخصم، وحشر الجماهير المستهدفة في دوائر رمادية وضبابية بالنسبة للمعلومات، مما يفرض إرهاقاً على العقل البشري من حيث التمييز بين ما هو غث وسمين، وكذب وتضليل، وهنا فإن السؤال الذي يطرح نفسه.. مَنْ ينْجح ؟، هل هو الذي يزيّن سرديته بالمعقول ؟ أم من يقول الحقيقة ؟، لكن الواقع يقرر بأن قول الحقيقة لوحده لا يكفي بل يستدعي تجميل السردية، وتمتين الرواية، والحفاظ على تماسك عناصرها. نلقاكم في الحلقة الثالثة بإذن الله

*مدير التوجيه المعنوي الأسبق وأستاذ العلوم السياسية

مواضيع قد تهمك