الأخبار

د. حسين سالم السرحان : الأردن… مجتمع يصنع الاندماج ويمنح الكرامة

د. حسين سالم السرحان : الأردن… مجتمع يصنع الاندماج ويمنح الكرامة
أخبارنا :  

من السهل على أي دولة أن تفتح حدودها للآخرين،
لكن الأصعب من ذلك أن يفتح الناس فيها لهم قلوبهم،
وأن يمنحوهم شعور الانتماء لا مجرد الإقامة.

في هذه المساحة تحديدًا تتشكل خصوصية التجربة الأردنية، حيث لم يكن حضور الأشقاء العرب في الأردن طارئًا أو معزولًا، بل تحول عبر الزمن إلى حالة اندماج إنساني واجتماعي عميق، أعاد تشكيل مفهوم "المجتمع المضيف” ليصبح مجتمعًا شريكًا في المصير والهوية.

منذ عقود، استقبل الأردن موجات متعددة من الأشقاء العرب، من فلسطين إلى العراق إلى سوريا، ولم تكن هذه الاستضافة مجرد استجابة إنسانية ظرفية، بل امتدادًا طبيعيًا لبنية ثقافية واجتماعية تقوم على قيم راسخة مثل الكرم والنخوة والتكافل.

هذه القيم لم تبق حبيسة الخطاب، بل تجسدت في تفاصيل الحياة اليومية، حيث لم يُنظر إلى القادم بوصفه غريبًا، بل قريبًا سرعان ما يصبح جزءًا من النسيج العام، يشارك في العمل والتعليم والعلاقات الاجتماعية، ويعيد إنتاج الحياة جنبًا إلى جنب مع الأردني.

إن ما يميز المجتمع الأردني في هذا السياق ليس فقط قدرته على الاستيعاب، بل مرونته في إعادة تشكيل ذاته دون أن يفقد توازنه. فالمجتمع هنا لا يعمل وفق منطق الإقصاء أو العزل، بل وفق منطق الاحتواء التدريجي، حيث تتداخل العلاقات الإنسانية مع المصالح اليومية، فتذوب الفوارق لصالح هوية أوسع قوامها العروبة والتجربة المشتركة.

وقد ساعد على ذلك التشابه الثقافي واللغوي والديني، مما جعل عملية الاندماج أكثر سلاسة، وأقل تصادمًا، وأعمق أثرًا.
ورغم ما واجهه الأردن من تحديات اقتصادية وضغوط على موارده المحدودة، إلا أن ذلك لم يتحول إلى حاجز نفسي أو اجتماعي يمنع الاندماج، بل ظل المجتمع قادرًا على الحفاظ على تماسكه الداخلي، مستندًا إلى وعي جمعي يرى في الإنسان قيمة بحد ذاته، لا عبئًا طارئًا.

هذا الوعي لم تصنعه السياسات فقط، بل تشكّل عبر تراكم تاريخي وتجارب متكررة عززت من قدرة المجتمع على التكيّف والتعايش.
ولعل اللافت في التجربة الأردنية أن الاندماج لم يكن شكليًا أو سطحيًا، بل امتد إلى مستويات عميقة من الحياة، من التعليم والعمل إلى العلاقات الاجتماعية والمصاهرة، بحيث أصبح من الصعب أحيانًا التمييز بين "المضيف” و”الضيف”، وهو ما يعكس نجاحًا حقيقيًا في بناء بيئة اجتماعية جامعة.
هذا النمط من الاندماج لا يتحقق بسهولة، بل يتطلب درجة عالية من الثقة المتبادلة، ومن الإحساس المشترك بالمصير، وهي عناصر استطاع المجتمع الأردني ترسيخها عبر الزمن.

في عالم تتزايد فيه النزعات الانغلاقية، تبدو التجربة الأردنية وكأنها تذكير عملي بأن قوة المجتمعات لا تقاس بقدرتها على حماية حدودها فقط، بل بقدرتها على استيعاب الآخرين دون أن تفقد ذاتها.

فالأردن لم يكن مجرد مكان آمن لمن قصده، بل مساحة إنسانية مفتوحة أعادت تعريف العلاقة بين الإنسان والمجتمع، وبين الهوية والانتماء.

لهذا، حين يتحدث الأشقاء العرب عن الأردن، فإنهم لا يستحضرون فقط مواقف أو ذكريات، بل يستحضرون شعورًا عميقًا بالقبول والكرامة، وهو شعور لا يُمنح بسهولة، ولا يُنسى.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لهذه التجربة، فهي ليست قصة لجوء بقدر ما هي قصة اندماج، وليست مجرد استضافة، بل شراكة إنسانية في الحياة بكل تفاصيلها، تؤكد أن العروبة حين تتحول إلى ممارسة يومية، تصبح قادرة على تجاوز الأزمات وبناء مجتمعات أكثر إنسانية.

يلازمني الفخر بوطني.. وطن الخير والمحبة

مواضيع قد تهمك