الأخبار

أ. د. ليث كمال نصراوين : لماذا لا يثق الأردني بدولته؟

أ. د. ليث كمال نصراوين : لماذا لا يثق الأردني بدولته؟
أخبارنا :  

في خضم الحرب الإقليمية المتصاعدة التي تضرب المنطقة، يفرض المشهد الداخلي الأردني نفسه بوصفه حالة تستحق التفكير والتأمل. فبينما تتسارع الأحداث وتتعاظم التحديات، تبدو الحياة اليومية للمواطن الأردني مستقرة إلى حد كبير، في صورة تعكس قدرة لافتة على احتواء التداعيات وتحييد آثارها المباشرة.

 

فعلى الرغم من جسامة الأحداث المتسارعة، وما يتعرض له الأردن من عدوان غاشم من النظام الإيراني، لم يلمس المواطن الأردني تغييرا جذريا في تفاصيل حياته اليومية. فالخدمات العامة الأساسية مستمرة، والتعليم الوجاهي قائم، والقطاع الصحي يؤدي دوره بكفاءة واقتدار، وحركة النقل البري والجوي تسير دون اضطرابات تذكر.

هذا الاستقرار والطمأنينة التي يشعر بها المواطن الأردني، رغم تصاعد وتيرة الحرب، ليسا أمرا عابرا، بل يعكسان قدرة الدولة على تحييد الداخل عن تداعيات المحيط المضطرب، والحد من انعكاساته السلبية. ومع ذلك، لا يزال هناك شعور عام بعدم الثقة يرافق المزاج الشعبي، حيث تتسع مساحة الإشاعة، وتنتشر الأقاويل، ويعلو صوت التهويل أحيانا على حساب الواقع المعاش.

ومن هنا تبرز المفارقة؛ فهي لا تتعلق بغياب الإنجاز أو بقدرة الدولة على إدارة تداعيات هذه المواجهة، بل في عدم ترجمة هذا الأداء إلى ارتفاع في منسوب الثقة. فالمواطن يرى أن الأوضاع الداخلية تسير بشكل طبيعي، وأن آثار الحرب الدائرة حاليا بقيت ضمن حدودها الدنيا، لكنه لا يربط حالة الارتياح التي يشعر بها بكفاءة الإدارة الحكومية وحسن التقدير في اتخاذ القرارات المناسبة للتعامل مع هذه الظروف.

ولفهم هذه الفجوة، لا بد من استحضار الخبرة التراكمية للدولة الأردنية. إذ لا تزال الذاكرة الوطنية تحتفظ بالعديد من المحطات التي مرت بها الدولة خلال السنوات الماضية، والتي نجحت في التعامل معها بحرفية عالية. فجائحة كورونا التي أعلنت عن قدومها في عام 2020 دفعت نحو تفعيل العمل بقانون الدفاع، وشكلت اختبارا قاسيا لقوة الدولة من الداخل. ومع ذلك، استمرت المؤسسات الوطنية في تقديم خدماتها بشكل فاق التوقعات، وكان الرضى الشعبي عن تلك المرحلة إيجابيا، واستفادت منها الدولة في تراكم خبراتها ومعارفها، وفي التأسيس لهيئات وطنية تدعم إدارة الدولة في الظروف الاستثنائية.

وبعد أشهر قليلة من إغلاق ملف الجائحة، اندلع العدوان الصهيوني على أهلنا في قطاع غزة، وما رافقه من تحديات جسام في المشهدين الداخلي والخارجي، خاصة في المجال السياسي، مع تزايد خطر التهجير وتداعياته الاقتصادية والاجتماعية. ومع ذلك، حافظت الدولة الأردنية على توازنها الدقيق في التعبير عن ثوابتها السياسية وإدارة الشأن الداخلي. ومارس الأردني حياته اليومية، وتمتع بحقوقه الدستورية في التعبير عن موقفه الوطني المشرف، ورفضه للحرب الإسرائيلية على الأهل في فلسطين، من خلال تنظيم المسيرات والاعتصامات، التي تعاملت معها الأجهزة الأمنية بحكمة وسعة صدر تستحق التقدير.

ورغم تعدد قصص النجاح الأردنية في إدارة الملفات الاستثنائية، لا تزال الصورة الشعبية عن الحكومات ومؤسسات الدولة قاتمة نسبيا. كما لم يلحظ المواطن أن جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين يتابع بنفسه مجريات الشأن الداخلي، ويصدر توجيهاته للمسؤولين للتعامل مع الظروف التي تعاقبت على الدولة الأردنية خلال السنوات الماضية.

وفي هذا السياق، تتجلى أزمة الثقة بوصفها حالة اجتماعية مركبة، لا تقوم فقط على نكران الإنجاز، بل تمتد أحيانا إلى تعمد خلق حالة من العداء مع الدولة. فإذا كانت الحكومات المتعاقبة تثير حفيظة الأردنيين من خلال قرارات غير موفقة وقوانين تمس حياتهم اليومية، فإن ذلك يبقى شأنا داخليا يمكن مساءلة المسؤولين عنه وتوجيه النقد لهم. أما عندما يتعلق الأمر بسيادة الوطن وسلامة أراضيه وحماية مقدراته، فإن الخلافات الداخلية يجب تحييدها، وألا تتحول إلى حكم عام على الدولة ومؤسساتها بسبب أخطاء بعض المسؤولين.

ومن هنا، فإن المجتمع الواعي هو الذي يقف إلى جانب دولته في السراء والضراء، انطلاقا من قاعدة مفادها أن الدولة تتمتع بكيان قانوني مستقل عن الأشخاص القائمين على إدارتها. فالدولة هي واقع دستوري ثابت يتكون من الشعب والإقليم والسلطة السياسية، في حين أن المسؤولين الذين يمارسون هذه السلطة متغيرون. لذلك، لا يصح تحميل الدولة ككيان معنوي مستقل وزر تصرفات فردية، مهما كانت محل رفض أو انتقاد.

وبناء على ذلك، فإن حق الفرد في انتقاد من يتولون السلطة حق أصيل لا يمكن التنكر له، إلا أن هذه الحرية الدستورية يجب ألا تتجاوز إدراك الفارق الجوهري بين الدولة والحكومة. فالدولة هي الوطن والهوية التي نحملها في قلوبنا ونذود عنها بالغالي والنفيس، ولا يجوز أن يتحول الخلاف مع مسؤول إلى اصطفاف ضد الوطن أو مساس بهويته أو الثقة به. ومن هنا، يبقى الرهان على وعي الأردني، وقدرته على التمييز بين ثبات الوطن والاختلاف المشروع مع الحكومات، بما يعزز قوة الدولة وقدرتها على مواجهة التحديات.

* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية

ــ الراي

laith@lawyer.com

مواضيع قد تهمك