رومان حداد : حرب ترامب على إيران تعيد الحياة لمشاريع الطاقة البديلة وطريق التوابل
الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران ليست مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل يمكن اعتبارها نقطة انعطاف كبيرة في التفكير الاستراتيجي في مجالات الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، والمفارقة الأبرز أن هذه الحرب أعادت إحياء أفكار كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتعامل معها بقدر كبير من التحفظ، بل والرفض في بعض الأحيان، وعلى رأسها الطاقة البديلة والنظيفة، التي لطالما اعتبرها خياراً ثانوياً أمام أولوية دعم صناعة النفط التقليدية.
غير أن تطورات الحرب فرضت واقعاً مختلفاً، فمع تصاعد التوتر في الخليج وتهديد خطوط الملاحة، خاصة في مضيق هرمز، ارتفعت أسعار النفط بشكل ملحوظ، وتعرضت سلاسل الإمداد الطاقوي وغير الطاقوي لهزات متتالية، وأعاد هذا الاضطراب طرح سؤال قديم بصيغة أكثر إلحاحاً وهو كيف يمكن للدول أن تحمي نفسها من تقلبات سوق الطاقة المرتبطة بالصراعات الجيوسياسية؟
ومع ارتفاع أسعار النفط والغاز وتضرر سلاسل الإمداد، عادت الطاقة المتجددة إلى الواجهة، ليس بوصفها خياراً بيئياً فحسب، بل كأداة سيادية تمنح الدول قدرة أكبر على التحكم بمصادرها وتقليل اعتمادها على الممرات البحرية الحساسة.
التحول اللافت يكمن في طريقة النظر إلى ملف الطاقة البديلة، حيث أن الطاقة البديلة لم تعد تُقرأ من زاوية اقتصادية محضة فيما يتعلق بالكلفة المرتفعة لإنتاجها والاستثمار فيها وتطويرها، بل صار يُنظر لها من زاوية الاستقرار الاستراتيجي للدول التي تتبناها، فبينما ترتفع أسعار النفط مع كل أزمة، تبقى كلفة الطاقة الشمسية والرياح مستقرة نسبياً، بل وفي انخفاض مستمر، والأكثر أهمية هو أن هذه الطاقة تُنتج محلياً داخل حدود الدولة، ما يعني تقليص الاعتماد على سلاسل توريد خارجية قد تتعرض للانقطاع في أوقات الأزمات، وبذلك، فإن هذه الحرب لم تعزز فقط جدوى الطاقة البديلة، بل أعادت تعريفها كجزء من منظومة الأمن القومي لكل دولة.
وبالإضافة إلى ذلك، أعادت الحرب إحياء مشاريع جيوسياسية كانت تبدو مؤجلة أو غير ذات أولوية، وفي مقدمتها فكرة الممر الهندي الأوروبي، أو المعروف بطريق التوابل، والذي أعلن عنه في عهد إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، التي تقوم على ربط الهند بأوروبا عبر شبكة من الموانئ والسكك الحديدية تمر عبر الخليج والمشرق العربي، وهذا الممر، الذي يشكل بديلاً جزئياً للمسارات التقليدية المرتبطة بالخليج ومضيق هرمز، يكتسب اليوم أهمية مضاعفة في ظل البحث عن طرق أكثر أمناً واستقراراً لنقل الطاقة والبضائع.
تتجلى أهمية هذا الممر في كونه يعيد رسم الخريطة الاقتصادية للمنطقة، حيث تتحول دول مثل الإمارات والسعودية إلى مراكز عبور رئيسة، بينما يبرز الأردن كبوابة استراتيجية نحو البحر المتوسط. ومع إمكانية إدماج سوريا ولبنان مستقبلاً في هذا المسار، يصبح المشرق العربي جزءاً من شبكة تكامل إقليمي جديدة، تتجاوز الانقسامات التقليدية وتعيد توجيه حركة التجارة والطاقة عبر مسارات برية أكثر أمناً.
إلى جانب ذلك، ساعدت هذه الحرب على بروز أهمية مشاريع نقل النفط والغاز عبر خطوط برية، تربط الخليج والعراق بالأردن مجدداً، ومن ثم إلى البحر المتوسط عبر البنية التحتية القائمة مثل خط الغاز العربي، وهذه المشاريع، التي كانت تواجه تحديات سياسية وأمنية في السابق، باتت اليوم أكثر إلحاحاً في ظل الحاجة إلى تقليل الاعتماد على الممرات البحرية المعرضة للمخاطر، كما أنها توفر بديلاً استراتيجياً يعزز مرونة أسواق الطاقة ويمنح الدول المنتجة والمستهلكة خيارات أوسع.
بالنسبة للأردن، تمثل هذه التحولات فرصة استراتيجية نادرة، فالموقع الجغرافي للأردن يضعها في قلب هذه المشاريع، سواء كممر للطاقة أو كنقطة ربط لوجستي بين دول الخليج العربية وأوروبا، ويمكن للأردن أن يستفيد من ذلك عبر تطوير بنيته التحتية في مجالات النقل والطاقة، وتعزيز قدراته في مجال الطاقة المتجددة، التي حقق فيها تقدماً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، كما أن الانخراط في مشاريع إقليمية كبرى يمنح الأردن دوراً سياسياً واقتصادياً أكبر، ويعزز من قدرته على التكيف مع التحولات الإقليمية.
وفي حال العمل على إنجاز المشاريع السابقة، تكون هذه الحرب أعادت تشكيل منطقة الشرق الأوسط من جديد، ولكن ليس بالمفهوم الإسرائيلي، بل بمفهوم عروبي محض، عبر إعادة الاعتبار للتعاون العربي، والتأكيد أن المنطقة عربية خالصة، وبتعاون دولها العربية يمكن لهذه الدول أن تقوي عنصر سيادتها ويمكن للعالم أن يعيش بسلام.