اسماعيل الشريف : هوس نتن ياهو
النهاية فوضى دموية – مثل روسي.
كرّس مجرم الحرب نتن ياهو مسيرته السياسية برمّتها لبلوغ هذه اللحظة: حرب شاملة مع إيران، طالما قدّمها بوصفها معركة وجودية تهدد الكيان الصهيوني. استند في تسويقها إلى مزيج من النبوءات التوراتية والحسابات السياسية والشخصية المتشابكة، ولم تكن إيران هدفًا في ذاتها فحسب، بل أداة لتهميش القضية الفلسطينية وصرف بوصلة الرأي العام العربي عن جوهر الصراع، عبر صناعة «عدو بديل» يستحوذ على الانتباه ويمنح التحالفات ذرائعها.
رغم سعيه الدؤوب إلى تحقيق حلمه القديم، لم يحظَ مشروعه بإجماع داخلي أو خارجي؛ فعلى الصعيد الداخلي رأى شاؤول موفاز، رئيس الأركان الأسبق في جيش الاحتلال، أن اندفاعه نحو مواجهة إيران تحكمه دوافع توراتية خالصة، وفي عام 2015 أعلن رئيس الموساد السابق مائير داغان معارضته لتوجيه ضربة عسكرية إليها، محذرًا من أن خطوة كهذه قد تسرّع برنامجها النووي، إن لم تُفضِ إلى إسقاط النظام، وتفتح أبواب المنطقة على مزيد من الاضطراب وعدم الاستقرار.
دأب نتن ياهو على تأطير المواجهة في سياق صراع حضاري بين «المسيحية الصهيونية» و«الإسلام الهمجي»، بين معسكر الخير ومعسكر الشر، مقدّمًا نفسه في صورة بطل توراتي يقود معسكر النور لاجتثاث ما يسميه الظلام الإيراني. ففي عام 1996، وبعد فوزه برئاسة الوزراء للمرة الأولى، اعتلى منبر الكونغرس الأمريكي محذرًا من الطموحات النووية الإيرانية، غير أن هوسه بهذا الملف يعود إلى ما قبل ذلك بسنوات؛ إذ تنبأ عام 1992، حين كان نائبًا في الكنيست، بأن إيران ستمتلك سلاحًا نوويًا عام 1993، ثم عاد في العام التالي ليحدد عام 1999 موعدًا جديدًا، في سلسلة طويلة من التحذيرات المتبدلة التي لازمته لعقود.
ويرى المؤرخ الفرنسي جان بيير فيلبو أن هذا التهويل المتواصل لم يكن بدافع حماية «أمن إسرائيل»، بل استراتيجية متعمّدة لتحويل الأنظار عن الاحتلال وسياسات التطهير التي تمارسها حكومته بحق الشعب الفلسطيني. وعندما عاد إلى الحكم عام 2009 كان البرنامج النووي الإيراني قد قطع شوطًا متقدمًا، فسعى مع وزير دفاعه إيهود باراك، بين عامي 2009 و2012، إلى تنفيذ ضربة عسكرية استباقية، غير أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما عارض ذلك بشدة، مفضّلًا خيار التفاوض الذي أفضى لاحقًا إلى توقيع اتفاق نووي مع طهران. لم يتردد نتن ياهو في مجابهة الرئيس علنًا، فخاطب الكونغرس مباشرة مستحضرًا شبح ألمانيا النازية لتشبيه إيران بها.
ومثّلت الولاية الأولى لترامب ما يشبه «العصر الذهبي» لنتن ياهو؛ إذ أعلن الرئيس الأمريكي عام 2018 انسحاب بلاده من الاتفاق النووي في خطوة قوبلت بترحيب واضح في تل أبيب. وخلال تلك المرحلة تصاعدت العمليات السرية «الإسرائيلية» داخل إيران، واغتيل عدد من العلماء والمسؤولين المرتبطين ببرنامجها النووي، إلى درجة دفعت مسؤولًا أمريكيًا رفيع المستوى إلى التوجه نحو تل أبيب سعيًا إلى كبح اندفاعة تلك المغامرات العسكرية.
ثم تولّى بايدن الرئاسة رافضًا خيار استهداف إيران، وممتنعًا عن تزويد الكيان بالقنابل الخارقة للتحصينات، في ما عُدّ قطيعة واضحة مع نهج ترامب التصعيدي. غير أن تراكم جملة من العوامل أعاد حلم نتن ياهو إلى الواجهة: الكلفة الباهظة للحرب الأخيرة في غزة، وتراجع شعبيته الداخلية وحاجته إلى معركة كبرى تعيد توحيد أطياف المجتمع خلفه وتصرف الأنظار عمّا يجري في الضفة الغربية، فضلًا عن تآكل نفوذ حلفاء إيران في المنطقة، وتصاعد شعور الكيان بضعف طهران، في ظل رئيس أمريكي يفاخر بولائه للكيان ويضيّق الخناق على إيران ويرسل بوارجه إلى محيطها، بل ويقصف منشآتها النووية. في هذا المناخ وجد نتن ياهو اللحظة مؤاتية ليتوجّه إلى واشنطن ساعيًا إلى دفع الرئيس ترامب نحو خوض حرب ضد إيران، في ذروة اندفاعه وهوسه بتحقيق هذا الهدف القديم.
ولا يمكن عزل هذه الحرب عن حساباته الشخصية ومساعيه المحمومة للإفلات من أزماته القضائية والسياسية، ولو كان الثمن إشعال المنطقة بأسرها. ومن هنا جاءت إدانة جلالة الملك حاسمة لا لبس فيها، مترافقة مع تحرّك أردني وعربي جاد لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق الأوضاع إلى ما لا تُحمد عقباه. وقد عكس الموقف العربي الموحّد رفضًا قاطعًا لهذه الحرب، رغم التباينات العميقة مع إيران، إدراكًا لطبيعتها الحقيقية: مقامرة فردية يقودها رجل مأزوم بدافع هوس شخصي، غير عابئ بما قد تخلّفه من كلفة فادحة على الجميع. ــ الدستور