الحواتمة يكتب : من قرية الشقيق في ذيبان بدأت … فكيف انتهيت غريباً عن الحروف ؟
المهندس محمد العمران الحواتمة يكتب :
الحمد لله رب العالمين على نعمه كلها ، على ما أعطى وما أخذ ، على ما فتح من ابواب وما اغلق ، على كل شعلة كانت في قلبي ثم تركتني أبحث عن الدخان بين الرماد . انا المهندس محمد العمران الحواتمة ، ذلك الطفل الذي كان يعشق الكتابة عشقاً يتجاوز التسلية ، عشقاً يشبه الإيمان ، كنت أكتب وكأن الحروف تنبض معي وكأن الورقة لا تكفي لرسم كل ما في داخلي ، كنت أبدع واخترق الصمت وكنت في الحفظ ممتاز جداً ، يشهد على ذلك كل من علمني في مدرسة الشقيق في لواء ذيبان ويشهد أبناء الجيل الذي تعلمت معه ، كانوا يعرفون أنني مختلف ، أنني اعيش اللغة لا للأدرسها فقط ، بل لأنني أتنفس الحروف .
كنت أحقق معدلات لا تقل عن ثمانية وتسعين حتى الصف الأول الثانوي ، لم تكن مجرد أرقام ، بل كانت دليل نار بداخلي ، دليل عقل يركض وقلب يرى في العلم والكتابة مستقبلاً لا ينطفئ . حصلت في صغري على منحة دراسية في احدى مدارس عمان ، فرصة كانت لتغير حياتي ، لكن بعد المسافة وضيق الحال منعتني ، والحمد لله رب العالمين على كل حال ، لكنني أدركت ان الحياة منذ تلك اللحظة بدأت تضع اثقالاً على الروح لا تراها العيون ، اثقالاً تجعل الإنسان يتساءل إن كان ما عاشه كله حقيقياً ام مجرد حلم مفقود .
واليوم اشعر بشيء غريب … برود عجيب لم اعهده ، كأن الروح التي كانت تتقد بالنار أصبحت تراقب العالم بصمت ، لا رغبة في الكتابة رغم العشق ، لا إندفاع رغم أنني خلقت لأكتب . أحب أن أكتب عن وطني ، عن الأردن الذي يسكن داخلي ، عن الصحيح والباطل ، عن الحق حين يصبح غريباً ، وعن الكذب حين يعلو الصوت ، لكنني أقف عاجزاً أمام عالمٍ فقد احترامه للكلمة ، عالم يختلط فيه النفاق بالصمت ، والجبن بالفضيلة ، والسطحية بالعلم .
أنا لا امدح الاشخاص لمجرد التطبيل ولا أطيق ثقافة الاصنام ، لكنني أحب من يعمل باخلاص واشعر أن الشكر واجب ، لأن من لا يشكر الناس لا يشكر الله ومع ذلك أصبح الشكر نفاقاً والصمت جبناً والصدق تهمة . أصبح العالم مليئاً بأخبار فارغة ، بقصص وهمية ، بضجيج بلا معنى وتفاهة تتنكر للحقيقة وأنا الذي كنت أعشق القراءة اصبحت اقرأ بلا شعور ، كأن شيئاً إنكسر ، كأن الواقع صار أقسى من الخيال ، كأن العمر ثقل على الروح ، كأن الانسان حين يكبر لا يخسر الوقت فقط ، بل يخسر الدهشة ايضا .
هل هو العمر؟ ام الواقع؟ ام هذا الزمن القاسي الذي قتل الشغف في نفوس كثيرين دون رصاصة واحدة ؟ هل أصبحت الارواح تتعب من كذبة بعد اخرى ؟ هل أصبح الكاتب الحقيقي يختنق لان الكلمة لم تعد محترمة ؟ لأن الصدق صار تهمة ؟ لأن الضجيج اعلى من المعنى ؟
أنا لا أكتب اليوم لأستعرض ، ولا لأبكي على زمن مضى ، أنا أكتب لأجد نفسي القديمة ، ذلك الطفل في ذيبان الذي كان يكتب وكأنه يحمل وطناً في صدره ، أرفض ان أصبح رجلاً بارداً من الداخل ، أرفض أن اكون مجرد موظف في الحياة ، أرفض أن تنطفئ النار التي خلقها الله في قلبي .
قد يقرأ البعض هذا الكلام وقد لا يقرأه احد ، لكنني اقول : شكراً لمن قرأ ، وشكراً لمن لم يقرأ ، لأنني لا اكتب للناس فقط، بل لا تذكر أنني كنت يوماً انساناً حياً بالكلمة ، حي بالنار ، حي بالصدق ، حي بالوطن .
حفظ الله أردننا ، وحفظ قيادته الهاشمية ، وحفظ كل إنسان يعمل باخلاص من الداخل لا من أجل التصفيق ، وأتمنى أن أعود كما كنت ، لا كما يريد هذا الزمن ، أن اعود قلماً لا يهادن ، صوتاً لا يبرد ، وروحاً تكتب بالنار لا بالحبر .
وكل ذلك بمشيئة الله.