د. هبة ابو عيادة : شهر الخير… أيُّ زادٍ نُعِدّ؟
مع اقتراب شهر رمضان الخير، تتبدل إيقاعات الحياة، وتمتلئ الأسواق بالمتسوقين، وتزدحم العربات بما لذّ وطاب، وكأننا نستقبل موسم مجاعة لا موسم عبادة. فيتسابق الناس في إعداد قوائم الأطعمة، وتزيين الموائد، حتى غدا السؤال المؤلم يفرض نفسه بهدوء عميق: أيُّ زادٍ نُعِدّ حقًا؟ أهو زاد البطون أم زاد القلوب؟ أهي ولائم تُشبِع ساعةً، أم المصاحف التي تُحيي قلبًا فيستيقظ به عمرٌ كامل؟
رمضان لم يكن يومًا شهر قدور؛ بل شهر الأجور المضاعفة والدعاء المستجاب والاجتهاد بالطاعات. لم يُشرَّف لأنه موسم أطباقٍ خاصة، بل لأنه الشهر الذي أُنزل فيه القرآن وموسم تجديد التوبة والاستغفار وترميم الروح. وإن قيمة الشهر ليست في كثرة ما يُقدَّم على موائد الإفطار، بل في كثرة ما يُتلى من آيات، وما يُسكب من دمع، وما يُجدَّد من عهد مع الله. ومع ذلك، تسللت العادات إلى العبادات، حتى صارت تعرف وصفات الطعام في رمضان أكثر مما تعرف خطط ختم القرآن. نُحسن إعداد قائمة الضيوف، لكننا لا نُحسن إعداد قائمة الأهداف الإيمانية. نُتقن توزيع الصحون، ولا نتقن توزيع الوقت بين الصلاة والتلاوة والقيام.
ليس في الإسلام تعارض بين أن نفرح بالنعمة وأن نتعبد، ولا بين أن نُكرم الضيف وأن نُكرم المصحف، ولكن الخلل يبدأ حين تختلّ الأولويات، وحين تتحول الوسيلة إلى غاية. فالطعام في رمضان وسيلة تُعين على الطاعة، لا غاية تُستنزف فيها الطاقات. فإذا أصبح همُّ الصائم أن يُنوّع طبقه أكثر من أن يُنوّر قلبه، فقد انقلبت المعادلة. إن الامتحان الحقيقي في قدرتنا على إعداد قلبٍ خاشع، وعقلٍ متدبر، وروحٍ متصلة.
إن المصحف الذي يُوضَع في صدر المجلس للزينة لا يُغير شيئًا، لكن المصحف الذي يُفتح كل يوم ويُتلى بتدبر قادر على أن يُعيد تشكيل الوعي والسلوك معًا. إن آية واحدة تُفهم بصدق قد تُصلح علاقة، أو تُقوِّم اعوجاجًا، أو تُطلق مشروعًا جديدًا للحياة.
كم من بيوتٍ تفيض أطباقها، لكنها تفتقر إلى السكينة. وكم من موائد عامرة، لكن القلوب حولها جائعة إلى معنى وكم من ضحكات تتعالى في سهرات رمضانية، تختفي أصواتها في قيام الثلث الأخير من الليل. قارئنا الكريم إن الشبع الحقيقي ليس شبع المعدة، بل شبع الروح. وقد علّمنا الصيام أن نُجَوِّع الجسد ليصحو القلب، وأن نُقلِّل من المباح لنرتقي في الطاعة. فكيف نقبل أن يتحول شهر التقليل إلى شهر إسراف، وأن يصبح موسم التزكية موسم استهلاك مفرط؟ إن التناقض بين مقصود العبادة وممارساتنا اليومية يكشف حاجة عميقة إلى مراجعة ثقافة الاستعداد لرمضان.
إن السؤال ليس دعوة لإلغاء الولائم، بل لإعادة توجيهها. يمكن للمائدة أن تكون جسرًا للرحمة وصلة الأرحام، وأن تتحول إلى مساحة ذكر ودعاء وتذكير. ويمكن للبيت أن يجمع بين دفء الطعام ونور القرآن، إذا وعى أهله أن المصحف هو الأصل، وأن كل ما عداه تابع. حين تُقرأ آيات قبل الإفطار، وحين تُختم المجالس بدعاء صادق، وحين يُخصص وقت ثابت للتلاوة اليومية، يتحول الشهر من طقس اجتماعي إلى مدرسة إيمانية وتعظيم شعيرة.
إن أخطر ما يواجه رمضان أن يتحول إلى عادة موسمية، لا إلى محطة تغيير. ينقضي الشهر، ثم نكتشف أننا خرجنا منه كما دخلنا، إلا من زيادة في الوزن ونقص في الهمة. أما من جعل المصحف زاده، فإنه يخرج بقلبٍ أكثر صفاء، وببصيرةٍ أعمق، وبإرادةٍ أقوى. القرآن لا يمنحنا ثواب التلاوة فحسب، بل يمنحنا رؤية مختلفة للحياة، يعيد ترتيب الأولويات، ويُذكّرنا بأن القيمة فيما يبقى لا فيما يفنى.
حين نسأل أنفسنا: ماذا أعددنا لشهر الخير؟ ينبغي أن لا يكون الجواب في عدد الأصناف، بل في عدد الختمات، وعدد الركعات، وفي عدد القلوب التي سنجبرها بكلمة طيبة أو صدقة خفية. إذ ان الزاد الحقيقي هو ما ينفع بعد انقضاء الشهر، ما يبقى أثره بعد انطفاء الزينة، وما يرافقنا حين نُودع الأيام المباركة. الولائم تنتهي مع آخر طبق، أما المصاحف فتبقى آثارها في السلوك، في القرار، في الأخلاق.
يبقى السؤال معلقًا في ضمير كل واحد منا: حين يُكتب لنا بلوغ شهر الخير، أيُّ زادٍ نحمله معنا؟ أهو زادٌ يثقل البطون ثم يزول، أم زادٌ يُنير القلوب ثم يدوم؟ الإجابة لا تُقال بالكلمات، بل تُترجم في الأيام الأولى.