الأخبار

نواف الزرو: ورقة بحثية: الاجندة الخفية لقرارات إلغاء العمل بقانون الاراضي الاردنيفي الضفة الغربية.. استراتيجيات الاستعمار الاستيطاني في الفكر السياسي والأيديولوجي الصهيوني….!

نواف الزرو: ورقة بحثية: الاجندة الخفية لقرارات إلغاء العمل بقانون الاراضي الاردنيفي الضفة الغربية.. استراتيجيات الاستعمار الاستيطاني في الفكر السياسي والأيديولوجي الصهيوني….!
أخبارنا :  

نواف الزرو

 

القرارات الحكومية الصهيونية التي اتخذتها الاحد 2026/2/8 والمتعلقة بإلغاء قانون الاراضي الاردني الذي يعني في جوهر تطبيقه على اراضي الضفة الغربية: استعمار وسلب ونهب وسطو مسلح ومصادرات وجدران عنصرية وحصارات واطواق وحواجز وقمع وتنكيل، والاخطر انه اجتثاث واقتلاع وإلغاء وترحيل – ترانسفير- لاصحاب الارض والوطن والتاريخ والتراث، والذي يلغي من ضمن ما يلغيه الحضور والدور والصلاحيات الفلسطينية في منطقة الحرم الابراهيمي الشريف والبلدة القديمة من الخليل ما يعني أيضا الاستباحة الكاملة لمدينة الخليل تركيزا، فإن كانت مدينة الخليل تحتل مكانة استراتيجية في الفكر السياسي والأيديولوجي الصهيوني الإسرائيلي ، وإن كان فكر الاستيطان والتهويد الجاري على قدم وساق على أرضها يحظى بمظلة ودعم المؤسسة السياسية والعسكرية والأمنية والإدارية الإسرائيلية كلها ، فإن تلك المكانة الاستراتيجية وذلك الفكر الاستيطاني التهويدي هما جزء في الوقت ذاته من استراتيجية الاستيطان اليهودي في أنحاء الوطن الفلسطيني بشكل عام ، وفي الضفة الغربية بشكل خاص .

وفي الاجندة الخفية للقرارات الحكومية الاخيرة ايضا ان الاستيطان اليهودي يعد ركيزة محورية حاسمة في الفكر السياسي والأيديولوجي الإسرائيلي وأحد أضلاع مثلث الوجود الصهيوني منذ البدايات الأولى على أرض فلسطين ، إلى جانب ضلعي ( ركيزتي ) الأرض والهجرة اليهودية .

 

 

 

وفي حقيقة الأمر فإننا لا يمكننا أن نتحدث عملياً عن الاستيطان اليهودي دون أن يتصل ذلك بالحديث عن الأرض ومكانتها في ذات الفكر السياسي والأيديولوجي الصهيوني الإسرائيلي .

وحتى يتسنى لنا الاقتراب قدر الإمكان من استشراف موضوعي لاحتمالات وآفاق قضية الاستيطان اليهودي في الأرض المحتلة بشكل عام ، وفي الضفة الغربية بشكل خاص، وكي نتلمس ماهية الصياغة النهائية المحتملة لخريطة الاستيطان، فإنه ليجدر بنا أولاً وقبل كل شيء قراءة مكانة ثلاثية ” الأرض والهجرة والاستيطان ” في الأدبيات والفكر السياسي الصهيوني–الإسرائيلي ، ذلك أن البرنامج السياسي للحكومات الاسرائيلية المتعاقبة لا ينسلخ ولا ينفصل عن ذلك ” التراث ” السياسي الأيدلوجي الصهيوني تجاه الثلاثية أعلاه .

فمنذ البدايات الأولى لنشوئها، تبنت الحركة الصهيونية العالمية كما هو معروف مشروع إقامة الوطن القومي اليهودي على أرض فلسطين، ولم يكن متاحاً لتلك الحركة تحقيق ذلك المشروع الأكبر إلا عبر ثلاث وسائل أساسية أو ركائز محورية استندت إليها الاستراتيجية الصهيونية –الإسرائيلية في المراحل المختلفة وهي :

الأولى : الاستيلاء على أكبر قدر ممكن من الأراضي العربية الفلسطينية .

الثانية : حركة الهجرة والتهجير المستمرة المتدفقة إلى أرض فلسطين .

الثالثة : إحلال القادمين / الغزاة اليهود الجدد مكان الشعب الفلسطيني وتوطينهم في أرضه ووطنه .

فقد جاء على سبيل المثال في قضية الاستيلاء على الأرض، واستيطانها في الأدبيات الصهيونية :

” إن ملكية الأرض الخاصة بالمناطق التي تمنح لنا ، يجب أن ننتزعها تدريجياً من أيدي أصحابها .. يجب أن نحاول نقلهم بهدوء إلى خارج الحدود وإيجاد العمل لهم في الأقطار التي ينقلون إليها ، ولكن في بلادنا يجب أن نحرمهم من العمل .. ويجب نقل ملكية الأرض وتهجير السكان بليونة وحذر ” (2) _ .

وجاء في دستور الوكالة اليهودية في المادة الثالثة منه :” تستملك الأراضي كملك لليهود وتسجل باسم صندوق رأس المال اليهودي ، وتبقى مسجلة باسمه إلى الأبد ، كما تظل هذه الأملاك ملكاً للأمة اليهودية غير قابل للانتقال ” (3) .

وجاء على لسان "رعنان فايس” رئيس الاستيطان في الوكالة اليهودية سابقاً : ” إن مخططي الاستيطان الصهيوني خلال الستين عاماً المنصرمة عملوا على أساس أن حدود المستقبل للدولة اليهودية يجب أن تعين من خلال أنظمة من المستوطنات السكانية تبدأ كنقاط استيطانية ، وتأخذ بالتوسع لأكبر مساحة ممكنة من الأرض ” (4) .

وقبل ذلك كان قد ورد في مذكرات نبي الصهيونية الأبرز ( هرتسل ) : ” إن الحركة الصهيونية منذ نشأتها كحركة سياسية وضعت أمامها هدف الاستيلاء على الحد الأقصى من الأرض كحتمية لإقامة دولة يهودية كبيرة ” (5) .

بينما كان فلاديمير جابوتنسكي الأب الروحي لليمين الإسرائيلي منذ نشأته قد ربط ثلاثية الأرض والهجرة والاستيطان بمعادلته التالية :

” هدف الصهيونية –الدولة اليهودية

الأسلوب-الاستعمار الجماعي

مساحة الأرض-لا حدود ” (6) .

وفي الهجرة اليهودية والاستيطان أيضاً ، فقد نص إعلان استقلال الكيان الصهيوني في الفقرة الخامسة منه على أن تظل دولة إسرائيل مفتوحة لهجرة اليهود من جميع البلدان التي انتشــروا فيها .

وأكد بن غوريون أول رئيس للحكومة الإسرائيلية لاحقاً : ” إن الهجرة اليهودية إلى فلسطين هي دم الحياة لإسرائيل ، وضمان أمنها ومستقبلها وجوهر حياتها وروحها ” (7) .

وأكد بن غوريون نفسه المقدمة ذاتها في مكان وزمان آخرين قائلاً : ” إن انتصار إسرائيل النهائي سيتحقق عن طريق الهجرة اليهودية المكثفة .. إن بقاء إسرائيل يعتمد فقط على توفر عامل هام واحد وهو الهجرة اليهودية الواسعة إلى إسرائيل ” (8).

وفي ذروة موجات الهجرة والغزو الصهيوني من دول الاتحاد السوفياتي سابقاً في مطلع التسعينات أعلن اسحق شامير رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك : ” سوف نستوعب الجميع ومن سيأتي سيستوعب من يأتي بعده : فهكذا تم بناء إسرائيل ” (9) .

وكان شامير نفسه قد أكد قبل ذلك بيومين : ” إن هجرة كبيرة كهذه تحتاج إلى إسرائيل قوية وكبيرة ” ، ثم عاد وأكد قائلاً : ” إننا نحتاج إلى شعب إسرائيلي قوي وكبير .. وإلى دولة كبيرة وقوية ” (10)

وفي مسألة الأرض والاستيلاء عليها أعلن شامير في منتصف شباط 1990 قائلاً : ” إن أرض إسرائيل ليست كعكة يمكن تقسيمها إلى أجزاء : إن إسرائيل تشهد الآن وقتاً عظيماً وأياماً عظيمة … هناك فقط بلاد واحدة هي وطن الشعب اليهودي .. أرض التوراة والأنبياء ، إنها حلم الشعب اليهودي منذ أجيال عديدة ، لذا فإن من حق كل يهودي مهاجر أن يختار مكان إقامته حسب رغبته ” (11) .

كل هذه وغيرها الكثير الكثير من الاقتباسات الموثقة في الأدبيات السياسية والأيدولوجية الصهيونية _ الإسرائيلية ، تقودنا إلى الخلاصة المكثفة التي تؤكد جدلية العلاقة بين ثلاثية "الأرض والهجرة والاستيطان ” في الاستراتيجية الصهيونية بشكل عام ، وفي السياسة الرسمية للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وصولاً إلى حكومة نتنياهو الراهنة، فحلم ” أرض لإسرائيـل الكاملة ” و/ أو ” إسرائيل الكبرى ” و/أو ” إسرائيل العظمى ” راود وما يزال قادة الحركة الصهيونية والدولة الإسرائيلية ، وكان بن غوريون قد أكد تغير وتحرك حدود الدولة الإسرائيلية خلال خطابه أمام المجلس العالمي لعمال صهيون 1937 حيث قال : ” أن الدولة اليهودية المعروضة علينا بالحدود الحالية ( من قبل اللجنة الملكية البريطانية ) لا يمكن أبداً أن تكون الحل المنشود لمسألة اليهود ، ولا هدف الصهيونية الذي سعت إليه طويلاً ، حتى لو أجريت على هذه الحدود بعض التعديلات الممكنة واللازمة لصالحنا ، إلا أنه يمكن قبولها بوصفها المرحلة الأولى والأساسية التي تنطلق منها تتمة مراحل تحقيق الوطن الصهيوني الأكبر ، وذلك عن طريق بناء قوة يهودية جبارة فيها ، وبأقصى سرعة ممكنة ، ثم احتلال باقي مناطق مطامحنا التاريخية كلها ” (12).

وبالتالي : ألم تثبت الأحداث والتطورات والمعطيات المتراكمة على مدى العقود الماضية صحة ما ذهب إليه بن غوريون صهيونياً … ؟!

ألم يقم بن غوريون الدولة الإسرائيلية بالقوة الجبارة …؟ ! ، وألم يستولي على ما تبقى من أرض فلسطين بهذه القوة .. ؟! وألم تواصل الحكومات الإسرائيلية المتلاحقة ذات المنطق وذات النهج البنغوريوني … ؟ ثم أليس بيريز ورابين وباراك أبرز تلامذة الفكر البنغوريوني .. ؟

والأهم من ذلك هل يختلف هؤلاء العماليون حقاً استراتيجياً وجوهرياً عن قادة ومنظري تيار اليمين الإسرائيلي المتشدد .. وخاصة في قضايا الأرض والهجرة والاستيطان … ؟!!

الاستيطان في البرامج الحكومية

جاء في البرنامج السياسي لحكومة باراك الذي نشرته الصحف الإسرائيلية يوم 6/6/1999 ، في قضية الاستيطان اليهودي في الأراضي المحتلة :

” ترى الحكومة في الاستيطان اليهودي بكافة صوره عملاً ذا قيمة اجتماعية ووطنية ، وإلى حين تحديد مكانة المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة في إطار التسوية الدائمة لن يتم المس بالمستوطنات القائمة ، وستعمل الحكومة على ضمان أمن المستوطنين اليهود ، وستهتم بالاحتياجات العامة للمستوطنات ” .

وباراك الذي واصل التأكيد طوال السنوات القليلة الماضية على أن الاستيطان اليهودي ذو قيمة اجتماعية ووطنية، إنما يواصل بذلك نهج سابقيه من رؤساء الحكومات الإسرائيلية منذ عهد بن غوريون مروراً بليفي اشكول فغولدا مئير ، فمناحيم بيغن ، فاسحق شامير ، فشمعون بيرز ، فاسحق رابين ، فبنيامين نتنياهو ، وصولاً إليه .

وفي الواقع لم يكل باراك عن تكرار خطه الأحمر الخاص بالاستيطان اليهودي، إذ أكد في لقائه مع صحيفة هتسوفيه مثلاً _ عدد 3/10/97 _ :

” تجميع المستوطنين في ثلاثة تكتلات استيطانية كبيرة في أنحاء الضفة ، لتبقى تحت السيادة الإسرائيلية ” ، ثم أكد على ” ضرورة التواجد الأمني والاستيطاني في غور الأردن ” .

وعاد باراك وأطلق قنبلته الاستيطانية المدوية يوم 12/5/1999 ، حينما أعلن مؤكداً :

” سنبقى في مستوطنات بيت إيل وعوفرا إلى الأبد ” (13) .

وأبلغ باراك في ذات اليوم زعماء المستوطنين اليهود في الضفة الغربية : ” أن المستوطنات اليهودية في الضفة والقدس الكبرى وغور الأردن ستبقى تحت السيادة الإسرائيلية بعد التوصل إلى حل نهائي مع الفلسطينيين ” (14) .

وذكرت المصادر الإسرائيلية أن باراك هو الذي كان قد أقر حينما كان وزيراً للداخلية في حكومة رابين ، خطة توسيع مستوطنة معاليه أدوميم ، بينما أكد هو نفسه : أن حكومة رابين هي التي أقرت البناء في جبل أبو غنيم ” (15) .

وأشير في وقت لاحق أيضاً إلى أن باراك _ كما صرح المليونير اليهودي موسكوفيتش _ هو الأب الروحي لمشروع مستوطنة رأس العامود ” (16) .

ولعل أزمة ال (42) بؤرة استيطانية التي أقامها المستوطنون في أنحاء الضفة الغربية في أعقاب اتفاق "الواي” مثال واضح ساطع على فكر باراك في موضوع الاستيطان ، إذ خرج إلينا بمصطلح المستوطنات القانونية وغير القانونية ، مقتدياً بذلك بسياسة رابين تجاه المستوطنات الأمنية والمستوطنات السياسية .

فقد توصل باراك في هذه الأزمة المسرحية إلى اتفاق مع زعماء المستوطنين اليهود يقضي” بإزالة 12 جيباً استيطانياً من مجموع ال 42 بؤرة أقيمت في أعقاب الواي” (17) ، وقد اعتبر باراك أن ال "12 جيباً ” هي مستوطنات غير قانونية ، الأمر الذي يعني في فكره وسياسته أن المستوطنات الأخرى كلها قانونية وشرعية وتخضع للسيـادة الإسرائيلية وقد اعتبر زعماء المستوطنين فعلاً ” أنهم حصلوا على مصادقة باراك على نحو 30 مستوطنة جديدة أقيمت خلال السنة الأخيرة ” (18) .

ومن باراك الى حكومة نتنياهو اليوم نتابع ذات الاستراتيجيات الاستعمارية الاستيطانية في السيطرة على الارض والاستيطان والتهجير…!

تطبيقات الاستيطان على الأرض الفلسطينية

على أرضية تلك الأدبيات السياسية الأيديولوجية الاستيطانية العريقة الموثقة حتى في مناهجهم التعليمية ، انطلقت وتوسعت وتكرست وتغولت حركة الاستيطان الاستعماري الحربي اليهودي الصهيوني ، في فلسطين 1948 قبل اغتصابها ، ثم بعد اغتصابها وإقامة الدولة الإسرائيلية عليها ، وما تزال هذه الحركة الاستيطانية التهويدية متواصلة هناك حتى يومنا هذا، مع الإشارة إلى أن هناك جملة كبيرة من المخططات والمشاريع الاستيطانية الرامية إلى تهويد ما تبقى من الأراضي العربية في الجليل والمثلث والنقب ، وحتى ما تبقى من الأحياء العربية القديمة في حيفا وعكا ومواقع أخرى .

وحيث أن هذه الدراسة معنية فقط بالاستيطان اليهودي في الأراضي العربية المحتلة عام 1967على وجه التحديد فإننا نترك معالجة موضوع اغتصاب وتهويد فلسطين 1948 إلى دراسة أخرى أشمل .

فحركة الاستيطان الاستعماري التهويدي انطلقت في الضفة الغربية بعد احتلالها في حزيران /1967 مباشرةً، وذلك على قاعدة وأرضية ومحورية واستراتيجية الاستيطان في السياسة الرسمية الاسرائيلية ، التي تعاملت مع هذه الأراضي المحتلة بوصفها جزءاً لا يتجزأ من ” أرض اسرائيل” ، وأباحت سلطات الاحتلال للمستوطنين اغتصاب الأرض والتوسع فيها وتهويدها ، والعيث فساداً في كل الأرض الفلسطينية .

وحسب الأبعاد المركزية للحركة الاستيطانية التاريخية المعروفة ، فقد كان للاستيطان اليهودي في الأراضي الفلسطينية المحتلة أربعة أبعاد هي :

  • البعد الأيديولوجي _ حيث وقف هذا البعد الأساسي وراء أوسع إجراءات الاستيطان التي تمت في الضفة الغربية ، ونشير على سبيل المثال إلى أن 70% مـن مشاريع الاستيطان التي أعدتها حكومة نتنياهو السابقة كانت مخصصة لقطاع اليهود المتزمتين ” (19) .

  • البعد السياسي _حيث انتهجت سلطات الاحتلال سياسة إقامة وفرض حقائق الأمر الواقع الاستيطاني ، بهدف تكريس الأوضاع سياسياً ، وفرضها على الفلسطينيين والعرب والعالم كأمر واقع ، والغاية هنا تكريس حالة التوسع والتهويد السياسي على أوسع مساحات ممكنة من الأرض .

  • البعد الأمني _ وكما استخدمت المستعمرات اليهودية قديماً قبل قيام الدولة الإسرائيلية وبعدها ، كقلاع محصنة مسلحة في مواجهة العمل الفدائي العربي ، كذلك كان هذا البعد من جملة الأبعاد التي وقفت وراء الاستيطان في الضفة والقطاع .

وتعتمد المستوطنات اليهودية في الأراضي الفلسطينية سياسة السور والبرج في التحصين والدفاع والدور الأمني ، وتحولت تلك المستوطنات أيضاً إلى قواعد لمهاجمة الأرض العربية والمواطنين العرب والاعتداء عليهم بلا توقف .

  • البعد الاقتصادي _ فضلاً عن استثمار الأراضي العربية في السمسرة والتجارة وجني الأرباح الطائلة ، كذلك عمدت سلطات الاحتلال إلى إقامة المشاريع الصناعية والتجارية الإنتاجية والتشغيلية في المستوطنات لصالح المستوطنين ، وبهدف تقوية وتعزيز وتكريس وجودهم .

لكن إضافة إلى هذه الأبعاد الأربعة ، أضافت سلطات الاحتلال بعداً خامساً بالغ الأهمية للاستيطان اليهودي وهو تقطيع أوصال الوحدة الجغرافية والسكانية الفلسطينية ، وإجهاض المقومات الحقيقية للدولة الفلسطينية المستقلة ، وهذه المسألة سنعالجها في مكان آخر (20) .

والحقيقة الناصعة الملموسة أن حركة الاستيطان اليهودي لم تتوقف يوماً ولم تهدأ ، فقد كانت حرباً استيطانية استعمارية متواصلة بلا توقف ضد الأرض العربية والشعب العربي الفلسطيني وشاركت في هذه الحرب واشتركت فيها كافة التنظيمات والجمعيات والحركات الاستيطانية السرية والعلنية على حد سواء ، وكافة الحكومات والوزارات الإسرائيلية العمالية والليكودية على حد سواء ، فكانت النتيجة زرع المستوطنات الاستعمـارية والمستوطنــين المستعمرين في أنحاء الضفة، وقد تفاوتت المصادر والجهات والتقديرات ، ونحرص هنا على عرض أهم التقديرات الإحصائية حول الاستيطان .

فقد جاء في تقرير لوزارة الإعلام الفلسطينية نشر بتاريخ 3/5/1997 ما يلي :

” بلغت مساحة الضفة الغربية في أعقاب حرب 1948 نحو 5.5 مليون دونم، وتمكنت قوات الاحتلال بعد حرب حزيران / 1967 ، وعلى مدة ثلاثين عاماً من السيطرة على نصف المساحة تحت عناوين وادعاءات كثيرة .

*الاستيطان تضاعف 7 مرات في الضفة خلال 24 عامًا واستمرارا

فقد أكد تقرير أقره المجلس التشريعي، تصاعد وتيرة الاستيطان بشكل كبير في الضفة الغربية والقدس المحتلتين خلال السنوات الماضية، في وقت وصل فيه عدد المستوطنين إلى 750 ألف مستوطن الآن.

ووفق التقرير الذي أعدته اللجنة السياسية في المجلس التشريعي وأُقر بالإجماع اليوم؛ ف”إن عدد المستوطنين تضاعف في الضفة الغربية سبع مرات منذ توقيع اتفاقية أوسلو (1993)، ووتيرة الاستيطان تسارعت ضمن "اتفاقيات السلام” أكثر منها خلال الحروب ومدَد الاحتلال”(23). وأشار إلى أن آخر الإحصائيات أظهرت "أن عدد المستوطنين ارتفع من (111) ألف مستوطن عام 1967 إلى (750) ألف مستوطن الآن”(24). وأوضح التقرير "أن الاحتلال الإسرائيلي يخصص ما يعادل 42% من أراضي الضفة الغربية للتوسع الاستيطاني، من ضمنها 62% من الأراضي الفلسطينية المصنفة (ج)”(25).

*الاستيطان والحواجز

ومن جهة اخرى، أصدر «مركز أبحاث الأراضي» الفلسطيني شبه الرسمي والمتخصص في شؤون الأراضي والاستيطان، تقريراً يشير فيه إلى أن السلطات الإسرائيلية، ضاعفت عدد المستوطنات والمستوطنين والحواجز العسكرية، منذ العام 1988، الذي جرى فيه إعلان ما يسمى بـ”وثيقة الاستقلال”. خلال انعقاد دورة المجلس الوطني الفلسطيني في العاصمة الجزائرية. واوضح التقرير "أن عدد المستوطنات الصهيونية على أراضي الضفة الغربية المحتلة، كان في العام 1988، 138 مستوطنة، أصبح اليوم 225 مستوطنة. ولم تكن هنالك بؤر استيطانية، واليوم توجد 292 بؤرة استيطانية. وكانت هذه المستوطنات تسيطر على نحو 136000 دونم من الأرض، وتسيطر اليوم على نحو نصف مليون دونم، وكانت هذه المستعمرات ترتبط بنحو 150 كلم من الطرق الالتفافية أصبحت ترتبط اليوم بـ1200 كلم، في معظمها يحظر على الفلسطينيين المرور بها”(26).

وأما عدد المستوطنين، فقد "بلغ 81600 في سنة 1990، وتضاعف خمس مرات منذ ذلك الوقت وأصبح اليوم 436 ألفاً. وهذا الرقم لا يشمل 21 ألف مستوطن في هضبة الجولان السورية المحتلة. وأما في القدس الشرقية، فقد تضاعف عدد المستوطنين الصهاينة ثلاث مرات، من 77 ألفاً في سنة 1983 إلى 230 ألفاً في سنة 2017″(27).

وقال المركز، "إنه في عام 1988، لم يكن هناك أي حاجز يعيق حركة الفلسطينيين في المناطق المحتلة، ويوجد اليوم 840 حاجزاً عسكرياً تقطع أوصال المناطق المحتلة وتعرقل وتشوش حياة الفلسطينيين. ولم يكن يفصل فلسطين 1948 عن الضفة وشرق القدس وقطاع غزة أي جدران، فبنى جدار عازل عنصري بطول نحو 449 كم والباقي قيد التنفيذ. وتم هدم 5000 بيت في القدس الشرقية المحتلة، بينما بلغ ما تم هدمه من بيوت فلسطينية في المدينة المقدسة قبل إعلان الاستقلال 2000 بيت”(28).

*يوبيل الاستيطان – نتنياهو لن يتم اقتلاع أية مستوطنة بعد اليوم

وتماديا مع مخططات الاستيطان والتهويد الجارية في انحاء الضفة الغربية، وفي احتفال أجرته دولة الاحتلال الإسرائيلي، بمناسبة مرور 50 عاما على "الاستيطان في الضفة الغربية” تحت عنوان "أضواء اليوبيل”، قال رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، إنه "لن يكون هناك أي إخلاء للمستوطنين بعد اليوم”(29).وقال نتنياهو في الاحتفال الذي نظم في المنطقة الصناعية "بركان”، وحضره آلاف المستوطنين وعدد من السياسيين "نحن هناك لكي نبقى للأبد. لن يكون هناك أي اقتلاع لمستوطنات في أرض إسرائيل”(30). وقال نتنياهو "هذا ميراث آبائنا، وهذه أرضنا. عدنا إلى هنا كي نبقى للأبد. لن يكون هناك أي اقتلاع لمستوطنات في أرض إسرائيل. وقد ثبت أن ذلك لا يساعد في تحقيق السلام. اقتلعنا مستوطنات، وتلقينا صواريخ. لن يتكرر ذلك. وهناك سبب ثان لكي نحافظ على هذا المكان. السامرة (الضفة الغربية) هي ذخر إستراتيجي لدولة إسرائيل. وهي مفتاح مستقبلها، لأنه من هذه المرتفعات العالية، والمرتفعات العالية في جبل حتصور، نشاهد البلاد من الطرف إلى الطرف”(31). وأضاف نتنياهو أنه يقول للزعماء الأجانب الذين يأتون إلى هنا "تخيلوا أن قوات إسلامية متطرفة تسيطر على هذه القمم. فهذا سيعرضنا للخطر، وأيضا يعرضكم للخطر، وكل جيراننا، وكل المنطقة والشرق الأوسط بأسره. وعلى ضوء ما يحصل حولنا في الشرق الأوسط، فمن الممكن تخيل النتائج، علينا وعلى شارع 6 وعلى مطار اللد. ولذلك فنحن لن نتنازل، سنحافظ على السامرة. وإزاء من يطالبنا بالاقتلاع، سنقوم بتعميق الجذور، ونبني ونمكّن ونستوطن”(32).

وخلال الاحتفالات التي شارك فيها وزير المعارف، ورئيس "البيت اليهودي”، نفتالي بينيت”، قال رئيس المجلس الإقليمي "شومرون” الاستيطاني، يوسي دغان "عدنا إلى هنا إلى أبد الآبدين. وهذا يوم احتفالي ليس فقط في السامرة، وإنما لكل شعب إسرائيل”(33).وتوجه دغان في حديثه إلى نتنياهو، وقال "أعطنا القوة لتحقيق الحلم الصهيوني. أرض السامرة تطلب مستوطنات جديدة. والاستيطان يستدعي البناء مجددا في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)”. كما طالب بإعادة المستوطنين إلى المستوطنات التي تم إخلاؤها قبل 12 عاما”(34).

*الحرب الاستيطانية الثالثة

وفي هذا السياق كتب المحلل والخبير توفيق ابو شومر في صحيفة الايام الفلسطينية عن الحرب الاستيطانية الثالثة يقول:”شنَّت إسرائيل حربها الاستيطانية الثالثة في منتصف شهر ديسمبر 2018م، هذه الحرب بداية فقط لسلسلة حروب على أهم موقعين؛ القدس، والخليل، هذه الحرب ستطال كل الضفة الغربية. بقيادة الحكومة الإسرائيلية اليمينية، يُشارك فيها التيار المسيحاني الصهيوني الأميركي، بزعامة، ترامب، ونائبه، مايك بنس، بعد عملية البؤرتين الاستيطانيتين، عوفرا، وغفعات أساف 13-12 – 2018، هذه هي الحرب الاستيطانية الثالثة، تتخلَّلُها حربٌ غير معلنة، تقودها الجمعيات الإسرائيلية، جمعية إلعاد، وشركاؤها، عطيرت كوهانيم، وأمناء جبل الهيكل، وعشرات غيرها”(35)، ويضيف:”أما الحربُ الاستيطانية الأولى فقد بدأتْ عند إعلان قيام إسرائيل عام 1948م، بوسيلتين، طرد الفلسطينيين وتهجيرهم من مدنهم وقراهم، واستقدام موجات من المهاجرين من دول العالم، ولا سيما دول أوروبا، وكان هدف هذه الحرب، هو تأسيس إسرائيل، بجلب الصفوة الصهيونية الإشكنازية من تلك البلدان، ومنحهم المناصب العليا، وتمكينهم لتنفيذ المخططات الكولونيالية، ليرسموا سياسة الدولة الجديدة، ويتولوا القيادة، بخاصة في المستويات العُليا، باعتبارهم روَّاد الحركة الصهيونية”(36).

ويردف ابو شومر:”أما الحرب الاستيطانية الثانية فقد بدأت بخطواتٍ زاحفة مختلفة عن الحرب الاستيطانية الأولى في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، بدأتْ باغتصاب الأراضي الفلسطينية، تحت مسميات، أملاك حكومية، وأوقاف، ومناطق جبال، وتشريع قوانين، واغتصاب أملاك الغائبين، مع الاستيلاء على مساحات عديدة، بحجة التدريب، وإطلاق النيران، ولتنفيذ المخطط السابق، كان ضرورياً تعزيز المخزون البشري الصهيوني المطلوب للجيش أولا، ولأعمال البناء، والاقتصاد، والتجارة لمواجهة زيادة نسل الفلسطينيين الصامدين في أرضهم منذ عام 1948م، لأجل ذلك جرى استقدام موجات من الهجرات، من يهود العالم العربي، ومن الفلاشاه، ومن الأحزاب الدينية الصهيونية، التي كانت ترفض الهجرة إلى إسرائيل، جنَّدت الصهيونية الحاخامين، ليُشرعوا، ويُبيحوا الهجرة إليها، ثم ليجعلوها فرضاً دينياً، حتى أنَّ حاخامي التيار الديني الصهيوني أفتوا، بأن عبادات الدين اليهودي لا تُقبل في المهجر، إلا في دولة إسرائيل، كما يُباح طلاقُ الزوجات إذا رفضنَ الهجرة إلى إسرائيل، فتُوِّجت هذه الحربُ الاستيطانيةُ الثانية بأكبر الهجرات قاطبة، وهي هجرة اليهود من الاتحاد السوفييتي السابق، بعد تفكيكه إلى دويلات في بداية تسعينيات القرن الماضي ، ولم تكن غاية تلك الهجرة الكبيرة هي تعزيز المخزون الديموغرافي اليهودي في إسرائيل، بزيادة الأعداد فقط، بل كان هدفها الرئيس هو تعزيز القدرات العسكرية الإسرائيلية، بواسطة الشباب الروس المدربين عسكريا، بخاصة في مجال القناصة، وسلاح الهندسة”((37)!!

الاستيطان ينحت خريطة الضفة…..!

وهكذا…وكما يتضح من زخم المعطيات السابقة وهناك غيرها الكثير الكثير، فان الاسرائيليين يجمعون اليوم من اقصى يمينهم الى اقصى يسارهم على شعار”الاستيطان اولا”، وعلى ان "الاستيطان اليهودي هو الكتاب المقدس لهم”، وعلى”ان المستوطنين هم طلائع الدولة الصهيونية” و”نواة اسرائيل من النيل الى الفرات”، لذلك لا احد في "اسرائيل” اليوم من كبار قادتهم السياسيين والعسكريين ينتقد الاستيطان او يطالب بوقفه مثلا، بل هم يجمعون على مواصلته وعلى انهم في سباق مع الزمن من اجل زرع كل الاراضي المحتلة بالمستعمرات التي لا يمكن ان تقتلعها من وجهة نظرهم رياح المفاوضات او التسويات او القرارات الدولية ان حصلت، اذ ستكون "حقائق امر واقع لا يمكن اجتثاثه”، ولذلك تلجأ سلطات الاحتلال للانقضاض على الفلسطينيين وعلى أراضيهم، وتقوم بمصادرة المزيد والمزيد من الاراضي يوميا، وبناء المزيد والمزيد من البؤر الاستيطانية، وتحول البؤر القائمة الى مستعمرات، وتقوم بتكريس مخططاتها الاستيطاتية وفرض الوقائع على الأرض.. وتقوم حكومة نتنياهو بشن أكبر واوسع هجمة استيطانية على الأراضي الفلسطينية منذ توليها الحكم، والهجوم الاستيطاني هنا يحمل كل عناوين ومعاني وتطبيقات الحرب الشاملة ضد الارض والانسان الفلسطيني..واصبح الحال اليوم "ان الاستيطان ينحت خريطة الضفة الغربية”…!

وهكذا وكما نتابع … في ظل عتمة الخلافات والصراعات والازمات الفلسطينية الداخلية من جهة …وفي ظل حالة انعدام الوزن والتوازن والتوهان وفقدان البوصلة العربية من جهة ثانية … وفي ظل الانشغال العربي بالالحراكات والصراعات الداخلية من جهة ثالثة … تواصل دولة الحرب والهدم والاستيطان الاحتلالية رسم خطوطها ووضع وتكريس بصماتها في جسم الضفة والقدس….؟!!

وتحت وطأة السطوة الامريكية على الامم المتحدة ومجلسها الامني ، وتبني السياسات الامريكية خطابا سياسيا وتوراتيا صهيونيا، تنتهز حكومة الاحتلال الفرصة والظرف بغية تكريس مخططها الرامي على نحو حصري الى عزل الغور وتهويده الى الابد من جهة ..والى عزل المدينة المقدسة وتهويدها بالكامل واحكام القبضة الاسرائيلية السيادية عليها بلا رجعة من جهة ثانية، كما تعمل على تدمير مقومات الاستقلال الفلسطيني من جهة ثالثة..؟!

ما يستدعي خطابا فلسطينيا عربيا مختلفا ومسؤولية حقيقية وجادة في التعامل مع مشاريع الاحتلال والتهويد الجارفة…؟

الاستخلاصات الأساسية

في ختام هذه القراءة المكثفة لخريطة الاستيطان والتهويد والإرهاب الاحتلالي ، وعلى أرضية ذلك الزخم الكبير من المعطيات والحقائق والوقائع الموثقة أنفاً في هذه الدراسة ، واستناداً إلى كمٍ آخر هائل من المعطيات والحقائق الأخرى ( التي ليس مجالها في هذا المحور ) المتعلقة بسياسة وممارسات وانتهاكات الاحتلال الإسرائيلي ، والتي تتكامل وتكرس وتعزز في حصيلة الأمر حرب الاستيطان والتهويد والإرهاب التي تشنها دويلة المستوطنين في انحاء الضفة الغربية وفي منطقة الخليل على وجه الخصوص، فإننا يمكن أن نضع خطوط مشددة تحت أهم الاستخلاصات الموضوعية المستشفة من قراءة الخريطة ، والتي تعززها بدورها تلك الدراسات المبرمجة والمعدة في إطار هذا البحث الوسع والشامل حول جدلية "الاستيطان والسلام” :

أولاً : لعلنا نثبت في مقدمة الاستخلاصات تلك الحقيقة الساطعة المتعلقة بالسياسة الرسمية الإسرائيلية التي تبنتها وطبقتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ، والتي تعتبر زوراً وتزييفاً "ان مدينتي القدس والخليل، مدينتا الآباء والأجداد لليهود ، وأنهما يهوديتان منذ الأزل ، وأنه يحق لليهودي أن يسكن في القدس و الخليل ، وكما جاء في البرامج السياسية للأحزاب الإسرائيلية المختلفة ، وفي الخطوط الأساسية للحكومات الإسرائيلية (38) .

ثانياً : وانطلاقاً من هذه السياسة الرسمية الإسرائيلية ، وعلى أرضيتها ، انطلقت قافلة مصادرات الأراضي والبيوت ، والاستيطان والتهويد والإرهاب ، تلك القافلة التي تواصلت مسيرتها منذ احتلال المدينة عام 1967 ، بوتيرة عالية – وخاصة على مستوى الممارسات الإرهابية المتنوعة – ، دون أن تتوقف أو تكل .

ثالثاً : أخفقت اتفاقية الخليل المرحلية في وضع حد لنوايا ومخططات ومشاريع وإجراءات الاستيطان والتهويد والإرهاب الاحتلالي في الخليل ، كما خذلت الاتفاقية أهل الخليل بهذا الخصوص .

رابعاً : في ضوء الاستخلاص الأول المتعلق بوضع القدس والخليل في السياسة الرسمية ، وفي الفكر السياسي ، والأيديولوجي الصهيوني / الإسرائيلي ، فإنه لا ينتظر عملياً أن يطرأ تغير جوهري على السياسة الإسرائيلية الاستيطانية التهويدية في المدينتين في إطار التسوية الدائمة إن تمت ، مثل إخلاء قلب مدينة الخليل مثلا من المستوطنين ، أو فك المستوطنات في محيطها ، أو التخلي عن السيطرة مثلاً عن منطقة الحرم الإبراهيمي الشريف خامساً : ولعل من أخطر الاستخلاصات الموثقة أيضاً ، أن سياسة الاحتلال تمخضت عن إقامة سلسلة المستوطنات اليهودية المتصلة في داخل المدينتين وامتداداً إلى محيطهما ، وأن تلك المستوطنات إنصقلت تماماً ، وتحولت إلى مستنبتات ودفيئات لتفريخ الفكر الاستيطاني العنصري الحاقد ، ولإنتاج الإرهابيين اليهود من أمثال غولد شتاين ، وتحولت بالتالي إلى دويلة استيطانية إرهابية منفلتة بلا أية كوابح قانونية أو أخلاقية ، وباتت سياسة وممارسات المستوطنين وفق شرائع الكاوبوي … ؟‍ !

سادساً – وبناءً عليه ، فإنه لا ينتظر أيضاً أن يتوقف مشروع الاستيطاني والتهويد والإرهاب في انحاء الضفة الغربية، بل أن المنتظر هو العكس تماماً ، حيث أننا سنواجه دويلة استيطانية إرهابية صعبة ، تقف وراءها دولة الاحتلال الإسرائيلي بجيشها وأجهزتها الأمنية وإمكاناتها المختلفة وثقلها الراجح الحاسم في عملية المفاوضات .

سابعاً : غير أن هذه الاستخلاصات المدججة بالمعطيات الموثقة ، يجب أن لا تفل – وهي لا تفل عملياً – إرادة الشعب الفلسطيني في الصمود والتصدي والمقاومة حتى رحيل آخر مستوطن عن ألارض المحتلة.

ثامناً : مما يستدعي بالضرورة الملحة والعاجلة أجندة فلسطينية أخرى ، مختلفة عن الأجندة القائمة اليوم في موضوع الاستيطان والتهويد ، وفي القدس والخليل بشكل خاص ، أو على صعيد البيت الفلسطيني الداخلي والعلاقات الفلسطينية – الفلسطينية .

فهل يا ترى نرى انتفاضة فلسطينية حقيقية بهذا الاتجاه ، ونرى أجندة فلسطينية جوهرية أخرى تعالج القضايا الفلسطينية معالجة جذرية بلا هوادة ..؟‍‍‍ ‍‍‍‍‍‍ !

نحترم ونقدر ونجل شعبنا الباسل ، وأهلنا الصامدين ، أهل الانتفاضات المجيدة ، وثقتنا عالية بلا سقف أو حدود بقدرات وطاقات شعبنا الكامنة القادرة على صياغة خريطة أخرى للواقع الفلسطيني عامة ، وخريطة أخرى لواقع مدينتي القدس و الخليل اللتين تشطرهما وتمزقهما وتحاصرهما الأحزمة الاستيطانية التهويدية الإرهابية من الداخل والخارج …!

كاتب فلسطيني

Nzaro22@hotmail.com

مواضيع قد تهمك