أ. د. محمد الرصاعي : الذكاء الاصطناعي في التعليم التحديات والمنافع
من المؤكد أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يشكل ثورة جديدة في حياة الإنسان، لا تقل أهمية وتأثيراً عن الثورة الصناعية، وتفرض ثورة الذكاء الاصطناعي حقائق لا تخفى على الجميع، وواقعاً يفرض نفسه في مجالات الحياة كافة، وأول هذه الحقائق أن البشر لا يستطيعون الامتناع عن استخدام الذكاء الاصطناعي، أو حتى فرض قيود تحدد طبيعة استخدامه، ورغم تصدي الحكومات والمؤسسات الدولية ومنظمات المجتمع لانتهاكات الحواجز الأخلاقية، والعمل على تعزيز ضوابط النزاهة، وحوكمة هذه الضوابط، لا تزال صيانة أخلاق البحث العلمي، وتحقيق التعليم للنواتج الإنسانية في مهب الريح.
تحديات عديدة يفرضها الذكاء الاصطناعي غير أن أكبر التحديات فداحة تكمن في ميدان التعليم والبحث العلمي، حيث تتعرض القدرات المعرفية للطلبة للتراجع، وتنتهك في الغالب أخلاقيات التعلم والبحث العلمي في أصول القراءة والرجوع للمراجع والمصادر المعرفية، وتحليل البيانات وكتابة التقارير، ولعل التحدي الأكبر في هذا السياق هو في مجال التقييم، حيث باتت تتراجع أو تغيب النزاهة والعدالة في تقييم الطلبة تحت وطأة استخدام برامج الذكاء الاصطناعي المتعددة في أثناء الاختبارات، أو إعداد الواجبات بدءاً من حلول وإجابة المسائل والتساؤلات البسيطة، وصولاً إلى البحوث الكبرى ورسائل وأطروحات الدراسات العليا.
ويعلن المعلمون على الملأ عن معاناتهم وحجم الأعمال التي يقومون بها لمواجهة الاستخدامات غير الأخلاقية للذكاء الاصطناعي، فيلجأ البعض منهم إلى إخضاع الطلبة إلى ممارسات تعليمية وتقييمية تأخذ طابع قطع الشك في الاستعانة الكلية ببرامج الذكاء الاصطناعي، وكشف المخادعين، فتجدهم يميلون إلى الاختبارات الشفهية، والعمل داخل الفصل تحت أنظار الجميع.
تُجمع مؤسسات التعليم عبر العالم اليوم على ضرورة إدماج الذكاء الاصطناعي في التدريس وتصميم المناهج وتنفيذها، وكذلك تقييم التعلم، وفي ذات الوقت تبذل جهود مضاعفة للحد من التبعات التي تؤثر سلباً على السياق التعليمي المستهدف، وكذلك نتاجات التعلم وأهمها الفهم والتحليل وإدراك المعنى، والقدرة على نقد الكم الكبير من المعلومات والادعاءات التي تحيط بالطلبة في العالم الافتراضي.
وفي خطوة يغلب عليها العجز، أقدمت بعض مؤسسات التعليم عبر العالم إلى منع استخدام الذكاء الاصطناعي وحظر كافة أشكاله وبرامجه، على اعتبار أن الشواهد الماثلة في ميدان التعليم تدلل على تراجع مستويات التعلم والتفكير لدى الطلبة، عوضاً عن تشوه الممارسات الأخلاقية ذات الصلة بالتعلم، كالغش، وعدم الإشارة لمصادر المعرفة أو البيانات، في المقابل تعكف بقية المؤسسات على تشريع ممارسات تعليمية وإدارية تخلق توازناً بين الاستخدام الفعال للذكاء الاصطناعي، والحد من التبعات والتخوفات التي تغلف المشهد التعليمي، حيث انبثق من هذه الرؤية مواثيق أخلاقية، واستراتيجيات عديدة للتعليم الذي يواكب مستجدات الذكاء الاصطناعي، وفي مقدمة المؤسسات التي صارت في هذا النهج اليونسكو حيث عمدت في عام 2021 إلى وضع مبادئ وتوصيات أخلاقية لضمان تسخير الذكاء الاصطناعي لخدمة الإنسان فعلياً، كما نشرت المنظمة في عام 2023 أولى التوجهات الخاصة بالذكاء الاصطناعي التوليدي في مجال التعليم والبحث العلمي، وأصدرت عدة دلائل كفاءات موجهة للطلاب والمعلمين.
ومن هذه التباينات نستطيع أن نؤكد حقيقة قد تكون هي بارقة الأمل في الخروج من مأزق التكيف مع الذكاء الاصطناعي في التعليم، مفادها أنَّ التحدي الحقيقي لا يكمن في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في قدرتنا على بناء انسان قادر على الاستفادة منه واستخدامه دون المساس بإنسانيته.
Rsaaie.mohmed@gmail.com