د. عادل الحواتمة : لعنة التكنولوجيا: قصة البرنامج النووي الإيراني من ذرة السلام إلى طموحات السلاح النووي (4/5)
في المقال الرابع من هذه السلسة، نحاول فهم دور الغموض النووي الإيراني في انعطافة المقاربة الأمريكية والإسرائيلية تجاه البرنامج النووي، بالتدرج من الضغوط السياسية، للعقوبات، ثم للمواجهة غير المباشرة وحرب الناقلات وصولًا للاعتداء العسكري المباشر منتصف العام الماضي وبداية هذا العام. إن عملية الفهم هذه تحتاج لإستدعاء مجموعة افكار لمناقشة حقوق الدول بالاستفادة من التكنولوجيا النووية السلمية، ودرجة الالتزام بالقانون الدولي ونظام منع الانتشار.
يُمكن القول أن من عوامل التصعيد العسكري تجاه إيران يكمن في "الغموض النووي" الإيراني والذي ساهم في استبقاء حالة دائمة من الشك بالنوايا النووية، بالاستناد على اكتشاف مفاعلات نووية سرية، وتقييمات أمريكية وإسرائيلية، وضعف العقوبات الإقتصادية في وقف البرنامج؛ وعدم جدوى المفاوضات، أو بشكل أدق، عدم تناسب ما يُطلب أمريكيًا بما هو مقبول إيرانيًا؛ ووجود فاعل إقليمي مارق غير مرتدع قانونيًا ولاعسكريًا يسعى لتحقيق أوهام استراتيجية وخزعبلات عقائدية. هنا، نحتاج لإعادة تقييم نظام منع الانتشار والقانون الدولي من حيث ازدواجية المعايير الدولية، حيث يمكن لهذا أن يشكل معادلة متوازنة بين: حق الدول في الطاقة النووية السلمية، وواجب الدول في عدم السعي للحصول على السلاح النووي، كما نحتاج هنا ايضًا لإعادة النظر في التحالفات الاستراتيجية، وابتداع مقاربة جديدة وفاعلة للتعامل مع الدول النشاز في الاقليم كالكيان الصهيوني.
إن الحرب على إيران والمتوقفة مرحليًا الآن لها آثارًا سلبية على الأقليم وعلى انسياب الطاقة في العالم. وهنا، نحتاج لإعادة إنتاج تصور لأهمية حفاظ إيران على إتزاماتها الدولية تجاه التخصيب، والجيران، ومضيق هرمز، والإقليم بشكل عام. ومن جهة أخرى، تحتاج الاطراف الأخرى لإعادة النظر في الكيفية التي توظف بها استخدام القوة في سياق العلاقات الدولية بطريقة تتعارض مع القانون الدولي والقيم الانسانية، ويتطلب هذا إعادة التعرف على المعايير القومية الجديدة المُحركة لتلك القوة، وكيفية تدويلها، كما يتطلب هذا أيضًا، إعادة صناعة القوة العربية والإسلامية بالمفهوم الشامل، أو تجميعها من خلال مركبات فاعلة إقليميُا ودوليًا لمحاولة إعادة التوازن لميزان القوى غير المتكافئ.
نتج الصدام العسكري بين الاطراف المتقاتلة في سياق الغموض في استخدام التكنولوجيا النووية بين السلمية وصنع السلاح النووي، لذلك، فإن منطق محاولة تصوير خطورة سعي الدول للاستفادة من التكنولوجيا النووية للاغراض السلمية لا يستقيم مع حقوق الدول المكفولة دوليًا والمؤطرة من خلال الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حيث كفل القانون الدولي ونظام منع الانتشار ذلك الحق؛ طالما أنه مكفول ويمكن مراقبته وتتبع مسيرته من خلال الادوات التي أنشأها نظام منع الانتشار. وهنا، نجد أنفسنا أمام ثلاثة مستويات من الدول: الدول التي تملك السلاح النووي، والمُطالبة بالتخلص منها، ومحاولة انتهاج سياسة ومعاييرنووية ثابتة؛ وتلك التي شرعت بالتكنولوجيا النووية للأغراض السلمية، والتي قد يتم الضغط عليها لإغلاق برامجها القائمة تحت مبررات غير وجيهة؛ وتلك التي تريد الشروع في مشاريع نووية سلمية، ويخشى عليها من أن تُسلب هذا الحق. لذلك تكمن اهمية محاولة الحفاظ على حقوق الدول بهذا المجال كونها تكشف وتحاجج وتقاوم منطق الازدواجية المتسللة لكافة جوانب ومستويات الأطر التنظيمية للعلاقات بين الفواعل على اطلاقها.