احمد ذيبان : الحلقة المفرغة!
كان لبنان يوصف في الماضي بـ "سويسرا الشرق"، بسبب تطور قطاعه المصرفي والاستقرار السياسي، وتمتعه بسقف مرتفع من الحريات العامة، فضلاً عن كونه وجهة سياحية، لكنه تراجع موقعه اليوم للأسف الشديد، ويمكن اعتباره "دولة فاشلة"، لسبب أساسي، وهو وجود ميليشيا مسلحة "حزب الله" أقوى من الجيش اللبناني، وهذه حالة فريدة غير موجودة في أي دولة بالعالم!
والمفارقة الغريبة أن هذه الميليشيا تعتبر جزءًا من الحرس الثوري الإيراني، بمعنى أنها تتلقى تعليماتها وتمويلها وتسليحها من إيران، وسبق أن أعلن الأمين العام لحزب الله الراحل حسن نصر الله بخطاب رسمي، أن مشروع الحزب يتلخص بأن يكون لبنان تابعًا للجمهورية الإسلامية الكبرى، وجزءًا من صاحب الزمان ونائبه بالحق الإمام الخميني، وفي خطاب آخر قال نصر الله: "إن تمويل وتسليح وأكل وشرب حزب الله من الجمهورية الإسلامية الإيرانية"، وهو تنظيم سياسي إسلامي شيعي مرتبط أيديولوجيًا بنظام "الثورة الإسلامية" الإيرانية، وملتزم مذهبياً بولاية الفقيه، لذا لم يكن مستغربًا أن تكون طهران أحد المصادر الرئيسية لتمويل الحزب.
وقدرت وكالة رويترز ميزانية حزب الله عام 2013 بين 800 مليون إلى مليار دولار، وفي مقابلة أجرتها قناة الجزيرة مع حسن نصر الله، عدّد نصر الله مصادر تمويل الحزب، ومنها التبرعات الطائلة التي تجبيها هيئة دعم المقاومة الإسلامية، والخُمس الذي يفرضه المذهب الجعفري، ومساعدات المؤسسات الإيرانية مثل مؤسسة (الشهيد) ومؤسسة (الجرحى)، وبذلك "قطعت جهيزة قول كل خطيب"، فعندما يعترف رأس الهرم في ميليشيا حزب الله بأنه يتسلح ويمول من إيران، فليس بعد ذلك مجال للتشكيك!
وأكثر من ذلك، فثمة تقارير ومعلومات مؤكدة تشير إلى أن ضباطًا من الحرس الثوري الإيراني هم من يقومون بإدارة العمليات العسكرية التي يقوم بها حزب الله في جنوب لبنان!
والآن، ثمة مفاوضات لبنانية إسرائيلية تجري في وزارة الخارجية الأميركية بواشنطن، وعقد الجانبان جولتي محادثات في العاصمة الأميركية يومي 14 و23 نيسان/أبريل، تمهيدًا لمفاوضات سلام، واستقبل الرئيس الأميركي ترامب الوفدين المفاوضين في البيت الأبيض بعد انتهاء الجولة الثانية من المفاوضات التي أجريت قبل أسابيع قليلة. ويومي الخميس والجمعة الماضيين عقدت جلسة ثالثة من المفاوضات على أعلى مستوى، حيث كانت الجولتان الأولى والثانية على مستوى السفراء، لكن الجولة الثالثة اتخذت طابعًا سياسيًا وأمنيًا، حيث ترأس الوفد اللبناني السفير السابق في واشنطن سيمون كرم، وضم الوفد اللبناني أيضًا سفيرة لبنان في واشنطن ندى معوض، والملحق العسكري، وعددًا من الدبلوماسيين العاملين في السفارة اللبنانية.
وأعلن الوفد اللبناني بواشنطن أن المفاوضات الثلاثية مع الولايات المتحدة وإسرائيل أسفرت عن "تقدم دبلوماسي ملموس" لصالح لبنان، وفي الأثناء أعلنت وزارة الخارجية الأميركية عن تمديد "وقف إطلاق النار" لمدة 45 يومًا، وهو عبارة عن هدنة مؤقتة لا تلتزم بها إسرائيل، حيث تواصل عملياتها العسكرية في جنوب لبنان والبقاع، وتصل إلى الضاحية الجنوبية، حيث اغتالت مؤخرًا رئيس أركان حزب الله!
لكن المفاوضات تواجهها صخرة قوية، وهي أن إسرائيل تضع في صدارة مطالبها نزع سلاح حزب الله، والحزب يرفض ذلك بشكل مطلق رغم قرارات الحكومة اللبنانية، التي اعتبرت في 2 آذار الماضي، بعد إطلاق الحزب بضعة صواريخ على إسرائيل، بعد مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في اليوم الأول من الحرب على إيران بتاريخ 28 شباط الماضي، أن الحزب خارج عن القانون، وبالتالي يفترض ملاحقة عناصره وكوادره. وهنا ثمة مشكلة أخرى، وهي أن الحزب مشارك بالحكومة اللبنانية بعدد من الوزراء، كما أن لديه كتلة برلمانية وازنة في مجلس النواب!
وطالما أن حزب الله مرتبط أيديولوجيًا وعقائديًا بالحرس الثوري الإيراني و"ولاية الفقيه" في إيران، فان قرار نزع سلاح الحزب يعود إلى طهران، وهكذا تستمر الحلقة المفرغة التي تدخل لبنان في متاهة حقيقية. فعندما انتهت حرب إسناد غزة التي قام بها حزب الله، كانت إسرائيل تسيطر على خمس نقاط في جنوب لبنان، وبعد الحرب الجديدة التي فتحها الحزب انتقامًا لمقتل خامنئي، أصبحت إسرائيل تحتل حوالي خمسين قرية وضيعة ومدينة في جنوب لبنان، وحولتها إلى أرض محروقة حيث دمرتها بشكل كامل، وتواصل نسف وتدمير ما تبقى فيها من منازل!
فجيش الاحتلال يجيز لنفسه تنفيذ عمليات عسكرية كيفما شاء، دون اكتراث بوقف إطلاق النار، في ظل صمت أميركي، باعتبار واشنطن راعي التفاوض بين تل أبيب وبيروت، وفي ظل هذه المعطيات أعلنت واشنطن أنها ستعمل على تعزيز التواصل والتنسيق العسكري بين لبنان وإسرائيل، عبر مسار أمني من المقرر إطلاقه في 29 أيار في البنتاغون (مقر وزارة الحرب) بواشنطن!
Theban100@gmail.com