محمد جودت الرفاعي : الجامعات بين التعليم الإلكتروني والذكاء الاصطناعي
لم يعد التحول الرقمي في التعليم خياراً ترفيهيا أو تجربة مؤقتة فرضتها ظروف استثنائية، بل أصبح مسارا استراتيجياً تتجه إليه الجامعات العربية بخطوات متسارعة، في محاولة لدمج التعليم الإلكتروني مع تقنيات الذكاء الاصطناعي ومواكبة ما تشهده الدول المتقدمة من تطور في تكنولوجيا المعلومات.
وقد شهدت السنوات الأخيرة استثمارات واضحة في تطوير البنية التحتية الرقمية داخل مؤسسات التعليم العالي، حيث توسعت منصات التعلم الافتراضي، وتزايد الاعتماد على المحاضرات التفاعلية والاختبارات الإلكترونية، إلى جانب إدخال أدوات تحليل البيانات التعليمية التي تساعد في فهم أنماط تعلم الطلبة وتحسين جودة العملية التعليمية.
وهذا التحول لم يعد يقتصر على توفير المحتوى عبر الإنترنت، بل بات يشمل توظيف خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتخصيص تجربة التعلم، وتقديم توصيات أكاديمية، وحتى تقييم الأداء بشكل أكثر دقة وشفافية.
وتسعى الجامعات العربية إلى سد الفجوة الرقمية من خلال شراكات مع شركات التكنولوجيا، وإطلاق برامج دراسات عليا متخصصة في علوم البيانات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، ما يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية إعداد كوادر قادرة على المنافسة في سوق العمل العالمي، كما أن إدخال المختبرات الافتراضية والمحاكاة الرقمية أتاح للطلبة فرصا تدريبية كانت تتطلب سابقاً موارد مادية ضخمة.
ومع ذلك، لا يخلو المشهد من التحديات، فالفجوة في الإمكانات التقنية بين المؤسسات التعليمية، ونقص الكفاءات المتخصصة، إضافة إلى الحاجة لتطوير التشريعات والاعتماد الأكاديمي للبرامج الرقمية، كلها عوامل تؤثر في سرعة هذا التحول، إذ ستظل قضية التوازن بين التعليم التقليدي والافتراضي محل نقاش، خاصة فيما يتعلق بالحفاظ على التفاعل الإنساني وبناء المهارات الاجتماعية لدى الطلبة.
في المقابل، يرى خبراء التعليم أن الدمج الذكي بين التقنيات الحديثة والأنماط التعليمية الكلاسيكية يمكن أن يشكل نموذجاً عربياً متطوراً، لا يكتفي باللحاق بركب الدول المتقدمة، بل يبتكر حلولاً تتناسب مع خصوصية المجتمعات العربية واحتياجاتها التنموية.
وإن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في امتلاك التكنولوجيا فحسب، بل في القدرة على توظيفها لصناعة معرفة منتجة ومستدامة، فبينما تتسارع خطوات التحول، تبدو الجامعات العربية أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة دورها بوصفها محركاً للابتكار والتقدم في عصر تحكمه البيانات والخوارزميات.