نواف الزرو: ورقة بحثية: الاجندة الخفية لقرارات إلغاء العمل بقانون الاراضي الاردنيفي الضفة الغربية.. استراتيجيات الاستعمار الاستيطاني في الفكر السياسي والأيديولوجي الصهيوني….!
أخبارنا :
نواف الزرو
القرارات الحكومية الصهيونية التي اتخذتها الاحد 2026/2/8 والمتعلقة بإلغاء قانون الاراضي الاردني الذي يعني في جوهر تطبيقه على اراضي الضفة الغربية: استعمار وسلب ونهب وسطو مسلح ومصادرات وجدران عنصرية وحصارات واطواق وحواجز وقمع وتنكيل، والاخطر انه اجتثاث واقتلاع وإلغاء وترحيل – ترانسفير- لاصحاب الارض والوطن والتاريخ والتراث، والذي يلغي من ضمن ما يلغيه الحضور والدور والصلاحيات الفلسطينية في منطقة الحرم الابراهيمي الشريف والبلدة القديمة من الخليل ما يعني أيضا الاستباحة الكاملة لمدينة الخليل تركيزا، فإن كانت مدينة الخليل تحتل مكانة استراتيجية في الفكر السياسي والأيديولوجي الصهيوني الإسرائيلي ، وإن كان فكر الاستيطان والتهويد الجاري على قدم وساق على أرضها يحظى بمظلة ودعم المؤسسة السياسية والعسكرية والأمنية والإدارية الإسرائيلية كلها ، فإن تلك المكانة الاستراتيجية وذلك الفكر الاستيطاني التهويدي هما جزء في الوقت ذاته من استراتيجية الاستيطان اليهودي في أنحاء الوطن الفلسطيني بشكل عام ، وفي الضفة الغربية بشكل خاص .
وفي الاجندة الخفية للقرارات الحكومية الاخيرة ايضا ان الاستيطان اليهودي يعد ركيزة محورية حاسمة في الفكر السياسي والأيديولوجي الإسرائيلي وأحد أضلاع مثلث الوجود الصهيوني منذ البدايات الأولى على أرض فلسطين ، إلى جانب ضلعي ( ركيزتي ) الأرض والهجرة اليهودية .
وفي حقيقة الأمر فإننا لا يمكننا أن نتحدث عملياً عن الاستيطان اليهودي دون أن يتصل ذلك بالحديث عن الأرض ومكانتها في ذات الفكر السياسي والأيديولوجي الصهيوني الإسرائيلي .
وحتى يتسنى لنا الاقتراب قدر الإمكان من استشراف موضوعي لاحتمالات وآفاق قضية الاستيطان اليهودي في الأرض المحتلة بشكل عام ، وفي الضفة الغربية بشكل خاص، وكي نتلمس ماهية الصياغة النهائية المحتملة لخريطة الاستيطان، فإنه ليجدر بنا أولاً وقبل كل شيء قراءة مكانة ثلاثية ” الأرض والهجرة والاستيطان ” في الأدبيات والفكر السياسي الصهيوني–الإسرائيلي ، ذلك أن البرنامج السياسي للحكومات الاسرائيلية المتعاقبة لا ينسلخ ولا ينفصل عن ذلك ” التراث ” السياسي الأيدلوجي الصهيوني تجاه الثلاثية أعلاه .
فمنذ البدايات الأولى لنشوئها، تبنت الحركة الصهيونية العالمية كما هو معروف مشروع إقامة الوطن القومي اليهودي على أرض فلسطين، ولم يكن متاحاً لتلك الحركة تحقيق ذلك المشروع الأكبر إلا عبر ثلاث وسائل أساسية أو ركائز محورية استندت إليها الاستراتيجية الصهيونية –الإسرائيلية في المراحل المختلفة وهي :
الأولى : الاستيلاء على أكبر قدر ممكن من الأراضي العربية الفلسطينية .
الثانية : حركة الهجرة والتهجير المستمرة المتدفقة إلى أرض فلسطين .
الثالثة : إحلال القادمين / الغزاة اليهود الجدد مكان الشعب الفلسطيني وتوطينهم في أرضه ووطنه .
فقد جاء على سبيل المثال في قضية الاستيلاء على الأرض، واستيطانها في الأدبيات الصهيونية :
” إن ملكية الأرض الخاصة بالمناطق التي تمنح لنا ، يجب أن ننتزعها تدريجياً من أيدي أصحابها .. يجب أن نحاول نقلهم بهدوء إلى خارج الحدود وإيجاد العمل لهم في الأقطار التي ينقلون إليها ، ولكن في بلادنا يجب أن نحرمهم من العمل .. ويجب نقل ملكية الأرض وتهجير السكان بليونة وحذر ” (2) _ .
وجاء في دستور الوكالة اليهودية في المادة الثالثة منه :” تستملك الأراضي كملك لليهود وتسجل باسم صندوق رأس المال اليهودي ، وتبقى مسجلة باسمه إلى الأبد ، كما تظل هذه الأملاك ملكاً للأمة اليهودية غير قابل للانتقال ” (3) .
وجاء على لسان "رعنان فايس” رئيس الاستيطان في الوكالة اليهودية سابقاً : ” إن مخططي الاستيطان الصهيوني خلال الستين عاماً المنصرمة عملوا على أساس أن حدود المستقبل للدولة اليهودية يجب أن تعين من خلال أنظمة من المستوطنات السكانية تبدأ كنقاط استيطانية ، وتأخذ بالتوسع لأكبر مساحة ممكنة من الأرض ” (4) .
وقبل ذلك كان قد ورد في مذكرات نبي الصهيونية الأبرز ( هرتسل ) : ” إن الحركة الصهيونية منذ نشأتها كحركة سياسية وضعت أمامها هدف الاستيلاء على الحد الأقصى من الأرض كحتمية لإقامة دولة يهودية كبيرة ” (5) .
بينما كان فلاديمير جابوتنسكي الأب الروحي لليمين الإسرائيلي منذ نشأته قد ربط ثلاثية الأرض والهجرة والاستيطان بمعادلته التالية :
” هدف الصهيونية –الدولة اليهودية
الأسلوب-الاستعمار الجماعي
مساحة الأرض-لا حدود ” (6) .
وفي الهجرة اليهودية والاستيطان أيضاً ، فقد نص إعلان استقلال الكيان الصهيوني في الفقرة الخامسة منه على أن تظل دولة إسرائيل مفتوحة لهجرة اليهود من جميع البلدان التي انتشــروا فيها .
وأكد بن غوريون أول رئيس للحكومة الإسرائيلية لاحقاً : ” إن الهجرة اليهودية إلى فلسطين هي دم الحياة لإسرائيل ، وضمان أمنها ومستقبلها وجوهر حياتها وروحها ” (7) .
وأكد بن غوريون نفسه المقدمة ذاتها في مكان وزمان آخرين قائلاً : ” إن انتصار إسرائيل النهائي سيتحقق عن طريق الهجرة اليهودية المكثفة .. إن بقاء إسرائيل يعتمد فقط على توفر عامل هام واحد وهو الهجرة اليهودية الواسعة إلى إسرائيل ” (8).
وفي ذروة موجات الهجرة والغزو الصهيوني من دول الاتحاد السوفياتي سابقاً في مطلع التسعينات أعلن اسحق شامير رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك : ” سوف نستوعب الجميع ومن سيأتي سيستوعب من يأتي بعده : فهكذا تم بناء إسرائيل ” (9) .
وكان شامير نفسه قد أكد قبل ذلك بيومين : ” إن هجرة كبيرة كهذه تحتاج إلى إسرائيل قوية وكبيرة ” ، ثم عاد وأكد قائلاً : ” إننا نحتاج إلى شعب إسرائيلي قوي وكبير .. وإلى دولة كبيرة وقوية ” (10)
وفي مسألة الأرض والاستيلاء عليها أعلن شامير في منتصف شباط 1990 قائلاً : ” إن أرض إسرائيل ليست كعكة يمكن تقسيمها إلى أجزاء : إن إسرائيل تشهد الآن وقتاً عظيماً وأياماً عظيمة … هناك فقط بلاد واحدة هي وطن الشعب اليهودي .. أرض التوراة والأنبياء ، إنها حلم الشعب اليهودي منذ أجيال عديدة ، لذا فإن من حق كل يهودي مهاجر أن يختار مكان إقامته حسب رغبته ” (11) .
كل هذه وغيرها الكثير الكثير من الاقتباسات الموثقة في الأدبيات السياسية والأيدولوجية الصهيونية _ الإسرائيلية ، تقودنا إلى الخلاصة المكثفة التي تؤكد جدلية العلاقة بين ثلاثية "الأرض والهجرة والاستيطان ” في الاستراتيجية الصهيونية بشكل عام ، وفي السياسة الرسمية للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وصولاً إلى حكومة نتنياهو الراهنة، فحلم ” أرض لإسرائيـل الكاملة ” و/ أو ” إسرائيل الكبرى ” و/أو ” إسرائيل العظمى ” راود وما يزال قادة الحركة الصهيونية والدولة الإسرائيلية ، وكان بن غوريون قد أكد تغير وتحرك حدود الدولة الإسرائيلية خلال خطابه أمام المجلس العالمي لعمال صهيون 1937 حيث قال : ” أن الدولة اليهودية المعروضة علينا بالحدود الحالية ( من قبل اللجنة الملكية البريطانية ) لا يمكن أبداً أن تكون الحل المنشود لمسألة اليهود ، ولا هدف الصهيونية الذي سعت إليه طويلاً ، حتى لو أجريت على هذه الحدود بعض التعديلات الممكنة واللازمة لصالحنا ، إلا أنه يمكن قبولها بوصفها المرحلة الأولى والأساسية التي تنطلق منها تتمة مراحل تحقيق الوطن الصهيوني الأكبر ، وذلك عن طريق بناء قوة يهودية جبارة فيها ، وبأقصى سرعة ممكنة ، ثم احتلال باقي مناطق مطامحنا التاريخية كلها ” (12).
وبالتالي : ألم تثبت الأحداث والتطورات والمعطيات المتراكمة على مدى العقود الماضية صحة ما ذهب إليه بن غوريون صهيونياً … ؟!
ألم يقم بن غوريون الدولة الإسرائيلية بالقوة الجبارة …؟ ! ، وألم يستولي على ما تبقى من أرض فلسطين بهذه القوة .. ؟! وألم تواصل الحكومات الإسرائيلية المتلاحقة ذات المنطق وذات النهج البنغوريوني … ؟ ثم أليس بيريز ورابين وباراك أبرز تلامذة الفكر البنغوريوني .. ؟
والأهم من ذلك هل يختلف هؤلاء العماليون حقاً استراتيجياً وجوهرياً عن قادة ومنظري تيار اليمين الإسرائيلي المتشدد .. وخاصة في قضايا الأرض والهجرة والاستيطان … ؟!!
الاستيطان في البرامج الحكومية
جاء في البرنامج السياسي لحكومة باراك الذي نشرته الصحف الإسرائيلية يوم 6/6/1999 ، في قضية الاستيطان اليهودي في الأراضي المحتلة :
” ترى الحكومة في الاستيطان اليهودي بكافة صوره عملاً ذا قيمة اجتماعية ووطنية ، وإلى حين تحديد مكانة المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة في إطار التسوية الدائمة لن يتم المس بالمستوطنات القائمة ، وستعمل الحكومة على ضمان أمن المستوطنين اليهود ، وستهتم بالاحتياجات العامة للمستوطنات ” .
وباراك الذي واصل التأكيد طوال السنوات القليلة الماضية على أن الاستيطان اليهودي ذو قيمة اجتماعية ووطنية، إنما يواصل بذلك نهج سابقيه من رؤساء الحكومات الإسرائيلية منذ عهد بن غوريون مروراً بليفي اشكول فغولدا مئير ، فمناحيم بيغن ، فاسحق شامير ، فشمعون بيرز ، فاسحق رابين ، فبنيامين نتنياهو ، وصولاً إليه .
وفي الواقع لم يكل باراك عن تكرار خطه الأحمر الخاص بالاستيطان اليهودي، إذ أكد في لقائه مع صحيفة هتسوفيه مثلاً _ عدد 3/10/97 _ :
” تجميع المستوطنين في ثلاثة تكتلات استيطانية كبيرة في أنحاء الضفة ، لتبقى تحت السيادة الإسرائيلية ” ، ثم أكد على ” ضرورة التواجد الأمني والاستيطاني في غور الأردن ” .
وعاد باراك وأطلق قنبلته الاستيطانية المدوية يوم 12/5/1999 ، حينما أعلن مؤكداً :
” سنبقى في مستوطنات بيت إيل وعوفرا إلى الأبد ” (13) .
وأبلغ باراك في ذات اليوم زعماء المستوطنين اليهود في الضفة الغربية : ” أن المستوطنات اليهودية في الضفة والقدس الكبرى وغور الأردن ستبقى تحت السيادة الإسرائيلية بعد التوصل إلى حل نهائي مع الفلسطينيين ” (14) .
وذكرت المصادر الإسرائيلية أن باراك هو الذي كان قد أقر حينما كان وزيراً للداخلية في حكومة رابين ، خطة توسيع مستوطنة معاليه أدوميم ، بينما أكد هو نفسه : أن حكومة رابين هي التي أقرت البناء في جبل أبو غنيم ” (15) .
وأشير في وقت لاحق أيضاً إلى أن باراك _ كما صرح المليونير اليهودي موسكوفيتش _ هو الأب الروحي لمشروع مستوطنة رأس العامود ” (16) .
ولعل أزمة ال (42) بؤرة استيطانية التي أقامها المستوطنون في أنحاء الضفة الغربية في أعقاب اتفاق "الواي” مثال واضح ساطع على فكر باراك في موضوع الاستيطان ، إذ خرج إلينا بمصطلح المستوطنات القانونية وغير القانونية ، مقتدياً بذلك بسياسة رابين تجاه المستوطنات الأمنية والمستوطنات السياسية .
فقد توصل باراك في هذه الأزمة المسرحية إلى اتفاق مع زعماء المستوطنين اليهود يقضي” بإزالة 12 جيباً استيطانياً من مجموع ال 42 بؤرة أقيمت في أعقاب الواي” (17) ، وقد اعتبر باراك أن ال "12 جيباً ” هي مستوطنات غير قانونية ، الأمر الذي يعني في فكره وسياسته أن المستوطنات الأخرى كلها قانونية وشرعية وتخضع للسيـادة الإسرائيلية وقد اعتبر زعماء المستوطنين فعلاً ” أنهم حصلوا على مصادقة باراك على نحو 30 مستوطنة جديدة أقيمت خلال السنة الأخيرة ” (18) .
ومن باراك الى حكومة نتنياهو اليوم نتابع ذات الاستراتيجيات الاستعمارية الاستيطانية في السيطرة على الارض والاستيطان والتهجير…!
تطبيقات الاستيطان على الأرض الفلسطينية
على أرضية تلك الأدبيات السياسية الأيديولوجية الاستيطانية العريقة الموثقة حتى في مناهجهم التعليمية ، انطلقت وتوسعت وتكرست وتغولت حركة الاستيطان الاستعماري الحربي اليهودي الصهيوني ، في فلسطين 1948 قبل اغتصابها ، ثم بعد اغتصابها وإقامة الدولة الإسرائيلية عليها ، وما تزال هذه الحركة الاستيطانية التهويدية متواصلة هناك حتى يومنا هذا، مع الإشارة إلى أن هناك جملة كبيرة من المخططات والمشاريع الاستيطانية الرامية إلى تهويد ما تبقى من الأراضي العربية في الجليل والمثلث والنقب ، وحتى ما تبقى من الأحياء العربية القديمة في حيفا وعكا ومواقع أخرى .
وحيث أن هذه الدراسة معنية فقط بالاستيطان اليهودي في الأراضي العربية المحتلة عام 1967على وجه التحديد فإننا نترك معالجة موضوع اغتصاب وتهويد فلسطين 1948 إلى دراسة أخرى أشمل .
فحركة الاستيطان الاستعماري التهويدي انطلقت في الضفة الغربية بعد احتلالها في حزيران /1967 مباشرةً، وذلك على قاعدة وأرضية ومحورية واستراتيجية الاستيطان في السياسة الرسمية الاسرائيلية ، التي تعاملت مع هذه الأراضي المحتلة بوصفها جزءاً لا يتجزأ من ” أرض اسرائيل” ، وأباحت سلطات الاحتلال للمستوطنين اغتصاب الأرض والتوسع فيها وتهويدها ، والعيث فساداً في كل الأرض الفلسطينية .
وحسب الأبعاد المركزية للحركة الاستيطانية التاريخية المعروفة ، فقد كان للاستيطان اليهودي في الأراضي الفلسطينية المحتلة أربعة أبعاد هي :
-
البعد الأيديولوجي _ حيث وقف هذا البعد الأساسي وراء أوسع إجراءات الاستيطان التي تمت في الضفة الغربية ، ونشير على سبيل المثال إلى أن 70% مـن مشاريع الاستيطان التي أعدتها حكومة نتنياهو السابقة كانت مخصصة لقطاع اليهود المتزمتين ” (19) .
-
البعد السياسي _حيث انتهجت سلطات الاحتلال سياسة إقامة وفرض حقائق الأمر الواقع الاستيطاني ، بهدف تكريس الأوضاع سياسياً ، وفرضها على الفلسطينيين والعرب والعالم كأمر واقع ، والغاية هنا تكريس حالة التوسع والتهويد السياسي على أوسع مساحات ممكنة من الأرض .
-
البعد الأمني _ وكما استخدمت المستعمرات اليهودية قديماً قبل قيام الدولة الإسرائيلية وبعدها ، كقلاع محصنة مسلحة في مواجهة العمل الفدائي العربي ، كذلك كان هذا البعد من جملة الأبعاد التي وقفت وراء الاستيطان في الضفة والقطاع .
وتعتمد المستوطنات اليهودية في الأراضي الفلسطينية سياسة السور والبرج في التحصين والدفاع والدور الأمني ، وتحولت تلك المستوطنات أيضاً إلى قواعد لمهاجمة الأرض العربية والمواطنين العرب والاعتداء عليهم بلا توقف .
-
البعد الاقتصادي _ فضلاً عن استثمار الأراضي العربية في السمسرة والتجارة وجني الأرباح الطائلة ، كذلك عمدت سلطات الاحتلال إلى إقامة المشاريع الصناعية والتجارية الإنتاجية والتشغيلية في المستوطنات لصالح المستوطنين ، وبهدف تقوية وتعزيز وتكريس وجودهم .